الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وبعد:
فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بإطلاق اللحية وإعفاءها في كثير من المواضع في السنة المطهرة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى) [رواه النسائي (15)، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، (15)]، وقوله: (وَأَوْفُوا اللِّحَى) [متفق عليه، رواه البخاري، (5892)، ومسلم، (625)]، وفي رواية: (جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ) [رواه مسلم، (626]، فإعفاء اللحية لاشك أنه من هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد اختلف العلماء في حكم حلق اللحية بالكلية على مذهبين:
المذهب الأول: حرمة حلق اللحية؛ وبه قال مجموعة من العلماء؛ وهم: الحنفية وبعض المالكية والشافعية والحنابلة:
ومن أقوالهم في ذلك:
قال الكاساني الحنفي في بدائع الصنائع (4/437): (وَلَيْسَ عَلَى الْحَاجِّ إذَا حَلَقَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ لِحْيَتِهِ شَيْئًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا حَلَقَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ لِحْيَتِهِ شَيْئًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ حَلْقُ الرَّأْسِ بِالنَّصِّ الَّذِي تَلَوْنَا، وَلِأَنَّ حَلْقَ اللِّحْيَةِ مِنْ بَابِ الْمُثْلَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَيَّنَ الرِّجَالَ بِاللِّحَى، وَالنِّسَاءَ بِالذَّوَائِبِ عَلَى مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: (إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً تَسْبِيحُهُمْ: سُبْحَانَ مَنْ زَيَّنَ الرِّجَالَ بِاللِّحَى، وَالنِّسَاءَ بِالذَّوَائِبِ) [قال محمد الصديقي في كتابه تذكرة الموضوعات: فيه ابن داود ليس بثقة، (1/160)]؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَشَبُّهٌ بِالنَّصَارَى فَيُكْرَهُ).
وقال الكمال بن الهمام الحنفي في فتح القدير (2/348): (يُحْمَلُ الْإِعْفَاءُ عَلَى إعْفَائِهَا مِنْ أَنْ يَأْخُذَ غَالِبَهَا أَوْ كُلَّهَا، كَمَا هُوَ فِعْلُ مَجُوسِ الْأَعَاجِمِ مِنْ حَلْقِ لِحَاهُمْ كَمَا يُشَاهَدُ فِي الْهُنُودِ وَبَعْضِ أَجْنَاسِ الْفِرِنْجِ، فَيَقَعُ بِذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَيُؤَيِّدُ إرَادَةَ هَذَا مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ) [سبق تخريجه] فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ.
وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْهَا وَهِيَ دُونَ ذَلِكَ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ وَمُخَنَّثَةُ الرِّجَالِ فَلَمْ يُبِحْهُ أَحَدٌ).
وقال الحطاب الرعيني في مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل المالكي (2/182): (وَحَلْقُ اللِّحْيَةِ لَا يَجُوزُ وَكَذَلِكَ الشَّارِبُ وَهُوَ مُثْلَةٌ وَبِدْعَةٌ).
وقال الحليمي الشافعي كما نقله عنه ابن الملقن في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (1/711): (لا يحل لأحد أن يحلق لحيته ولا حاجبيه، وإن كان له أن يحلق سباله [أي شاربه]، لأن لحلقه فائدة، وهي أن لا يعلق به من دسم الطعام ورائحته ما يكره، بخلاف حلق اللحية فإنه هُجنة وشهرة وتشبه بالنساء، فهو كجبِّ الذكر).
وقال ابن المفلح الحنبلي في الفروع (1/92): (وَيُعْفِي لِحْيَتَهُ، وَفِي الْمَذْهَبِ مَا لَمْ يُسْتَهْجَنْ طُولُهَا وَيَحْرُمُ حَلْقُهَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا [أي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله]).
المذهب الثاني: كراهة حلق اللحية بالكلية؛ وهو: قول القاضي عياض المالكي ووجه عند الحنابلة والشافعية.
قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم (1/416) فيما ينقله عن القاضي عياض المالكي رحمه الله: (وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: يُكْرَه حَلْقهَا وَقَصّهَا وَتَحْرِيقهَا، وَأَمَّا الْأَخْذ مِنْ طُولهَا وَعَرْضهَا فَحَسَن ، وَتُكْرَه الشُّهْرَة فِي تَعْظِيمهَا كَمَا تُكْرَه فِي قَصِّهَا وَجَزّهَا).
وقال ابن مفلح الحنبلي في الفروع (1/92): (وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ الْإِجْمَاعَ أَنَّ قَصَّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ فَرْضٌ ، وَأَطْلَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ الِاسْتِحْبَابَ، وَأَمَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذَلِكَ وَقَالَ: (خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ: (خَالِفُوا الْمَجُوسَ)، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مَرْفُوعًا: (وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْ شَارِبَهُ فَلَيْسَ مِنَّا) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَهَذِهِ الصِّيغَةُ تَقْتَضِي عِنْدَ أَصْحَابِنَا التَّحْرِيمَ).
وقال ابن مفلح أيضًا في الآداب الشرعية (3/500): (وَيُسَنُّ أَنْ يُعْفِيَ لِحْيَتَهُ وَقِيلَ: قَدْرَ قَبْضَةٍ وَلَهُ أَخْذُ مَا زَادَ عَنْهَا وَتَرْكُهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تَرْكُهُ أَوْلَى).
ويظهر هنا من كلام ابن مفلح إطلاق القول باستحباب إعفاء اللحية عند كثير من الحنابلة، وأقصى ما يمكن أن يوصف به من ترك المستحب أنه فعل مكروهًا.
وقال ابن الملقن الشافعي في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (1/711) تعقيبًا على كلام الحليمي المنقول آنفًا والذي قال بالحرمة: (وما ذكره في حلق اللحية حسن، وإن كان المعروف في المذهب الكراهة).
وذكر النووي في شرحه لصحيح مسلم (1/414)، اثنتا عشر خصلة مكروهة في اللحية ذكر منها الحلق فقال: (وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاء فِي اللِّحْيَة عَشْر خِصَال مَكْرُوهَة، بَعْضهَا أَشَدّ قُبْحًا مِنْ بَعْض
وذكر منها: الثَّانِيَة عَشْرَة: حَلْقهَا إِلَّا إِذَا نَبَتَ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَة فَيُسْتَحَبّ لَهَا حَلْقهَا).
وإن كان رحمه الله يرى أن الأولى عدم الأخذ منها كما نص في موضع آخر بعد ذلك (1/418) بقوله: (وَالْمُخْتَار تَرْك اللِّحْيَة عَلَى حَالهَا، وَأَلَّا يَتَعَرَّضَ لَهَا بِتَقْصِيرِ شَيْء أَصْلًا، وَالْمُخْتَار فِي الشَّارِب تَرْكُ الِاسْتِئْصَال وَالِاقْتِصَار عَلَى مَا يَبْدُو بِهِ طَرَف الشَّفَة).
ومن قالوا بحرمة حلق اللحية بالكلية اختلفوا في الأخذ منها على وجوه:
فذهب فريق إلى حرمة الأخذ منها مطلقًا؛ وهو قول المتأخرين من الحنابلة وعلماء المملكة حفظهم الله مثل الشيخ ابن باز ابن عثيمين وغيرهم رحمهم الله.
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في فتاواه: (وحدُّ اللحية ـ كما ذكره أهل اللغة ـ هي شعر الوجه واللحيين والخدين، بمعنى أن كل ما على الخدين وعلى اللحيين والذقن فهو من اللحية، وأخذ شيء منها داخل في المعصية أيضًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعفوا اللحى)، و(أرخوا اللحى)، (ووفروا اللحى)، (وأوفوا اللحى)، وهذا يدل على أنه لا يجوز أخذ شيء منها).
وذهب فريق إلى جواز تهذيبها والأخذ منها مطلقًا دون الحلق.
وذهب فريق إلى جواز أخذ ما زاد عن القبضة لفعل ابن عمر، وحرمة أخذ ما دون القبضة.
وذهب فريق إلى كراهة الأخذ منها فيما دون القبضة وجواز ما زاد عن القبضة.
وقد لخص الطبري رحمه تلك المذاهب فيما نقله عنه الإمام ابن حجر في الفتح (10/350): (فَقَدْ قَالَ الطَّبَرَيْ: ذَهَب قَوْم إِلَى ظَاهِر الْحَدِيث فَكَرِهُوا تَنَاوَلَ شَيْء مِنْ اللِّحْيَة مِنْ طُولهَا وَمَنْ عَرَضَهَا.
وَقَالَ قَوْم: إِذَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَة يُؤْخَذ الزَّائِد، ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ إِلَى اِبْن عُمَر أَنَّهُ فِعْل ذَلِكَ، وَإِلَى عُمَر أَنَّهُ فِعْل ذَلِكَ بِرَجُلِ، وَمَنْ طَرِيق أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ فَعَلَهُ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث جَابِر بِسَنَدِ حَسَن قَالَ: (كُنَّا نُعْفِي السِّبَال إِلَّا فِي حَجّ أَوْ عَمْرَة)، وَقَوْله: (نُعْفِي) بِضَمِّ أَوَّله وَتَشْدِيد الْفَاء أَيْ نَتْرُكهُ وَافِرًا، وَهَذَا يُؤَيِّد مَا نَقْل عَنْ اِبْن عُمَر، فَإِنَّ السِّبَال بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة جَمْع سَبَلَة بِفَتْحَتَيْنِ وَهِيَ مَا طَالَ مِنْ شَعْر اللِّحْيَة، فَأَشَارَ جَابِر إِلَى أَنَّهُمْ يُقَصِّرُونَ مِنْهَا فِي النُّسُك.
ثُمَّ حَكَى الطَّبَرَيْ اِخْتِلَافًا فِيمَا يُؤْخَذ مِنْ اللِّحْيَة هَلْ لَهُ حَدّ أُمّ لَا؟
فَأَسْنَدَ عَنْ جَمَاعَة الِاقْتِصَار عَلَى أَخْذ الَّذِي يَزِيد مِنْهَا عَلَى قَدْر الْكَفّ.
وَعَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ يُؤْخَذ مِنْ طُولهَا وَعَرَضَهَا مَا لَمْ يُفْحِش، وَعَنْ عَطَاء نَحْوه قَالَ: وَحَمَلَ هَؤُلَاءِ النَّهْي عَلَى مَنْع مَا كَانَتْ الْأَعَاجِم تَفْعَلهُ مِنْ قَصّهَا وَتَخْفِيفهَا.
قَالَ: وَكَرِهَ آخَرُونَ التَّعَرُّض لَهَا إِلَّا فِي حَجّ أَوْ عَمْرَة وَأَسْنَدَهُ عَنْ جَمَاعَة، وَاخْتَارَ قَوْل عَطَاء.
وَقَالَ: إِنَّ الرَّجُل لَوْ تَرَكَ لِحْيَته لَا يَتَعَرَّض لَهَا حَتَّى أَفْحَشَ طُولهَا وَعَرْضهَا لَعَرَّضَ نَفْسه لِمَنْ يَسْخَر بِهِ).
وذكر ابن حجر في الفتح (10/350) تأويله لفعل ابن عمر رضي الله عنه بالأخذ من اللحية ما زاد على القبضة في الحج أو العمرة مع ظاهر الألفاظ الآمرة بالإعفاء في كثير من الأحاديث، فقال: (الَّذِي يَظْهَر أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ لَا يَخُصّ هَذَا التَّخْصِيص بِالنُّسُكِ بَلْ كَانَ يَحْمِل الْأَمْر بِالْإِعْفَاءِ عَلَى غَيْر الْحَالَة الَّتِي تَتَشَوَّه فِيهَا الصُّورَة بِإِفْرَاطِ طُول شَعْر اللِّحْيَة أَوْ عَرَضَهُ).
وقد ذكر الإمام ابن عبد البر في الاستذكار (8/429) جملة من السلف ممن كانوا يرون جواز الأخذ من اللحية وكانوا يفعلونه؛ فقال رحمه الله:
(وروى سفيان عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر أنه كان يعفي لحيته إلا في حج أو عمرة، وعن عطاء وقتادة مثله سواء، وروى عبيد الله بن عمر عن نافع أن ابن عمر كان إذا قصر من لحيته في حج أو عمرة يقبض عليها ويأخذ من طرفها ما خرج من القبضة، وكان قتادة يفعله، وكان محمد بن كعب القرظي يرى للحاج أن يأخذ من الشارب واللحية، وكان قتادة يأخذ من عارضيه، وكان الحسن يأخذ من لحيته، وكان ابن سيرين لا يرى بذلك بأسًا، وروى سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يأخذون من جوانب اللحية.
قال أبو عمر: قد صح عن بن عمر ما ذكرناه عنه في الأخذ من اللحية، وهو الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى وهو أعلم بما روى).
والراجح والله أعلم جواز الأخذ من اللحية فيما زاد عن القبضة وكراهة ما دون ذلك، وحرمة حلقها بالكامل، وإن كانت المسألة خلافية كما سبق ذكره من اختلاف أقوال العلماء.
|