ينبغي أن يُعلم أن المؤمنين جميعًا رجالًا ونساء، تربطهم وشيجة تعلو على كل الروابط، وهي رابطة الأخوة الإيمانية، والتي يؤصلها القرآن الكريم:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، فكل من انتمى إلى الإسلام فهم إخوة، سواء أكان ذكرًا أو أنثى.
وهذا هو الأصل العام للعلاقة بين الناس جميعًا، ولكن لأن الله تعالى وضع في الجنسين الميل كليهما للآخر، وهو ما يقتضيه إعمار الأرض وبقاء النسل البشري، فقد وضع الشرع ضوابط للعلاقة بين الجنسين، ولم يتركها هكذا لأمزجة الناس وأهوائهم ليحددوا أطرها ومجالاتها.
وهذه الضوابط تكفل السلامة والعفة للمجتمع، وليس فيها أي نوع من التعسف أو تحميل الناس ما لا يطيقونه، ومن خلال استقراء الواقع نرى صنفين من الناس قد تناولوا العلاقة بين الجنسين بصورة تتأرجح بين الإفراط والتفريط، وبين الغلو والتساهل.
فأما الصنف الأول:
فهم الذين غالوا وتشددوا في قضية العلاقة بين الجنسين، فوضعوا في أذهانهم صورة للمجتمع المنشود، ينقسم ذلك المجتمع إلى قسمين: عالم الرجال وعالم النساء، يعيشون على أرض واحدة، ولكن هذا في عالمه وذاك في عالمه.
فمحظور تعامل الجنسين أحدهما مع الآخر، إلا من خلال الزواج، مفسرين أصولًا عامة للشريعة وفق اختياراتهم النفسية، تحت مظلة سد الذريعة وحراسة الفضيلة، (حتى ليخيل للناس أن المجتمع الإسلامي لابد أن يحوي قسمين منعزلين تمامًا، قسم للرجال وقسم للنساء، حتى ليبالغ بعضهم ويترحم على زمان كانت المرأة لا تخرج فيه إلى الشارع في عمرها إلا مرتين، مرة في يوم زفافها، ومرة يوم تشيع جنازتها.
وهذه الصورة يستحيل تطبيقها في الواقع المعاصر، فضلًا عن أنها لم تكن أبدًا في المجتمع الذي أنشأه رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي لم يتم فيه التعامل مع المرأة بكل ذلك التشنج وتلك الحساسية.
فكانت المرأة تخرج حتى للجهاد في سبيل الله، وكان التعامل بين الرجال والنساء قائمًا للحاجة في حدود الضوابط الشرعية) [نهضة أمة، هشام مصطفى عبد العزيز].
يقول الشيخ الددو الشنقيطي حفظه الله: (ونجد بعض الناس لا يدخل على النساء في بيت إذا أراد تدريسهن يجعل بينه وبينهن حائلًا مثلًا، أو يأمرهن بمغادرة المسجد، أو يمنعهن من الذهاب إلى الدروس، أو يمنعهن من الذهاب إلى المحاضرات وكل هذا مخالف للمنهج النبوي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) [متفق عليه، رواه البخاري، (900)، ومسلم، (1018)]، وكان يدرس النساء وكن يجلسن إليه، وقد قلن له يا رسول الله أنا وافدة النساء يقلن إن إخواننا من الرجال غلبونا عليك فاجعل لنا يومًا من نفسك فجعل لهن يوم الخميس، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل بينه وبين النساء حاجزًا، [رواه البخاري بنحوه، (101)] بل كن يصلين معه في المسجد، فكان يقول: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) [رواه مسلم، (1013)] وكان يأمر الرجال أن لا ينصرفوا حتى ينصرف النساء [رواه البخاري بنحوه، (870)]، وكان يأمر النساء أن لا يرفعن أبصارهن حتى يجلس الرجال من السجود لئلا ينكشف عليه شيء من عورات الرجال [رواه أحمد في سننه، (11286)، وهو صحيح لغيره].
وكن يشهدن معه الفجر متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس [متفق عليه، رواه البخاري، (578)، ومسلم، (1489)]، وكن يشهدن معه صلاة العيد والاستسقاء والجمع [رواه مسلم، (2049)]، وفي حديث أم عطية كنا نأمر بإخراج العواتق والحيض وربات الخدور يشهدن الخير ويكثرن سواد المسلمين [متفق عليه، رواه البخاري، (324)، ومسلم، (2091)]، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عليهن، ويرد عليهن السلام ويعودهن إذا مرضن، وكان أصحابه يفعلون) [جزء من محاضرة الوسطية في الإسلام، الشيخ: محمد حسن الددو الشنقيطي].
وأما الصنف الثاني:
فأولئك الذين أرادوا للمرأة مزاحمة الرجال، وإذابة الفوارق والحواجز بينهم في التعامل، وتركوا المعاملات بين الرجال والنساء دون ضوابط، وأرادوا المرأة رجلًا بين الرجال، متخطين بذلك حدود الله التي جعلها حفظًا لهذا المجتمع وصيانة له من الفتن، وهذا بدوره قد أدى إلى كثير من السلوكيات المنحرفة لدى الرجال والنساء.
فلا حرج عند هؤلاء في أن تصافح المرأة الرجل، ولا حرج في أن تخرج معه، ولا حرج في أن تجلس بجواره جنبًا إلى جنب يتمكنون فيه من الهمس واللمس، ولا حرج ...
وهذا بدوره قد أدى إلى كثير من السلوكيات المنحرفة لدى الرجال والنساء، وهذا هو ما رمى إليه منذ أكثر من قرن مضى دعاة تحرير المرأة؛ والذين تأثروا بالحضارة الغربية وأرادوا السير على المنهاج الغربي حتى فيما يخص المرأة.
فقالوا: لابد وأن تحذو المرأة العربية حذو نظيرتها الغربية، حتى يرتقي المجتمع وينهض سائرًا نحو التقدم، ومن أجل ذلك لابد من تحريرها، وكأن الإسلام الذي حرر المرأة من الاضطهاد والبطش والتهميش في الأمم السابقة، كأنه قد كبَّلها بالقيود.
والحق دائمًا وسط بين طرفين، فدين الإسلام دين الوسطية والاعتدال؛ لأن أحكامه نزلت من لدن حكيم خبير، أعلم بحاجات الناس ومقومات صلاحهم من أنفسهم، ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى ضوابط في التعامل بين الجنسين، تتناسب مع تكوينهم وفطرتهم، وتحقق للمجتمع بصفة عامة الاستقرار والعفة والفضيلة، فمن هذه الضوابط ما يأتي:
أولًا ـ تحريم المصافحة: وهي السلام باليد، فلا يصح أن يصافح الرجل المرأة الأجنبية على الراجح ما دام يحل له الزواج منها، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: (لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد، خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) [رواه الطبراني في الكبير، (16880)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، (9176)].
ثانيًا ـ تحريم الخلوة: فلا يجوز الخلوة بين الرجل والمرأة في معزل عن الناس، والنبي صلي الله عليه وسلم يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) [متفق عليه، رواه البخاري، (5233)، ومسلم، (3336)]، فهذا يسد باب الفتنة عن الاثنين، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يبيِّن ذلك بقوله: (لا يخلون رجل بامرأة؛ إلا كان ثالثهما الشيطان)[رواه الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة، (2318)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، (1171)].
ثالثًا ـ النهي عن الخضوع بالقول: فلا يجوز للمرأة أن تخضع بالقول أو تلين به عندما تتحدث مع الرجال؛ يقول الله تبارك وتعالى:{فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32]، يقول السعدي رحمه الله: (في مخاطبة الرجال، أو بحيث يسمعون فتلِنَّ في ذلك، وتتكلمن بكلام رقيق يدعو ويطمع {الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَض}؛ أي: مرض شهوة الزنا، فإنه مستعد، ينظر أدنى محرك يحركه؛ لأن قلبه غير صحيح، فإن القلب الصحيح ليس فيه شهوة لما حرَّم الله، فإن ذلك لا تكاد تُمِيلُه ولا تحركه الأسباب؛ لصحة قلبه وسلامته من المرض.
بخلاف مريض القلب، الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر عليه، فأدنى سبب يوجد يدعوه إلى الحرام يجيب دعوته، ولا يتعاصى عليه، فهذا دليل على أن الوسائل لها أحكام المقاصد.
فإن الخضوع بالقول واللين فيه في الأصل مباح، ولكن لما كان وسيلة إلى المحرم مُنع منه، ولهذا ينبغي للمرأة في مخاطبة الرجال أن لا تلِينَ لهم القول)[تفسير السعدي].
رابعًا ـ الأمر بغض البصر: لقول الله تعالى للجنسين:{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 30-31].
والخلاصة:
إن من يتأمل مجتمع الصحابة يجد أن المرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تتعامل بالبيع والشراء مع النساء والرجال، فدل ذلك على أن صوتها في أصله ليس بعورة، وكانت كذلك تخرج للجهاد تسقي وتداوي الجرحى، وكانت تستفتي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانت ترد على الخلفاء من بعده وتعقِّب.
ولكن المشاهد كذلك في المجتمع الأول، أن كل ما يدور من أحاديث بين الرجال والنساء لم يأخذ شكل المسامرة والمزاح والتسلية، وإنما كان كلامًا للحاجة.
وعلى هذا فإن مخالطة الرجال للنساء إن كانت بالضوابط السابقة مع التزام المرأة بحجابها الشرعي جائز، وهو ما وردت به النصوص ولا حجة في تحريمه؛ لأن ذلك مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه من بعده وهم أطهر القرون وأبر هذه الأمة قلوبًا.
وليس معنى هذا أن تكون العلاقات بين الرجال والنساء بلا ضوابط أو قيود كما يريدها أعداء العفة والفضيلة أو أن يتساهل كل منهما في العلاقة مع الآخر، فضوابط الشريعة إنما وضعت لحفظ المجتمع وصيانته، وعلى المسلم أو المسلمة أن يكون وقافًا عند حدود الله يراقب الله في حركاته وسكناته
وأخيرًا؛ فلا يحق لأحد أن يحرم شيئًا أحله الله أو يحرم شيئًا حرمه الله أو يضع قيودًا على تعاملات الناس بلا دليل أو مستند شرعي، وهذا للأسف ما حدث في كثير من المجتمعات التي حاولت أن تفرض قيودًا على العلاقة بين الجنسين ما أنزل الله بها من سلطان، متعللين ببعض الحوادث الفردية التي لا يرضاها الشرع، ومعتبرين أن سد الذرائع سيقي المجتمع من أمثال هذه الحوادث، ولكن ما حدث للأسف هو عكس المطلوب، مما يدل على أن الالتزام بشرع الله كما ورد عن رسوله صلى الله عليه وسلم هو الأسلم والأحكم والأنفع للأمة والمجتمع.
نسأل الله أن يرزقنا البصيرة في ديننا، وأن يردنا إليه ردًّا جميلًا وأن يرزقنا العفة والعفاف ويحفظ شباب وفتيات الإسلام من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
|