الأحد 05 سبتمبر 2010 م -- 27 رمضان 1431 هـ من نحن وماذا نريد خدماتنا إصدراتنا إتصل بنا
الأخبار
العالم العربي والإسلامي
أفرقيا وأوربا
آسيا وأستراليا
الأمريكتان
تقارير عامة
مقالات وتحليلات
المسبار
صوتيات ومرئيات
مستشارك الخاص
جديد المستشار
العادات السبع للزهرات الأكثر فعالية

العادة السرية

الغدر بالصدر..لماذا؟!

سنة أولى مدرسة

فشل مبكر للقمة العربية

كيف يصل الطيبون إلى الطيبات؟

هدايا العيوب

هل أنت قوي

هل المحكمة الدستورية ضد الديمقراطية الحديثة في تركيا؟

وصاحبني الكلب!!

نحو أسرة سعيدة
الحياة الزوجية
أطفالنا أكبادنا
إلى الشباب
إلى ربات الخدور
نحو إدارة فعالة
إدارة الذات
إدارة المؤسسات
إدارة دعوية
خلفان: تجسس أمريكا و"إسرائيل" وراء أزمة "بلاكبيري"   *    بلير يكشف عن رغبات تشيني الدفينة في مذكراته    *    العراق: إعلان أوباما سيلاحقه كسلفه صاحب "المهمة انتهت"   *    مستشار أردوجان يحذر الجيش من "الانقلاب" مجددًا    *    "واشنطن بوست": الاتحاد الأوروبي يتلاشي    *   
   ما صحة دعوى انتساب الأستاذ هشام مصطفى للسرورية؟  

بداية أشكركم على هذا الموقع المتميز الذي سمعت عنه من أحد أصدقائي ولكني لا أخفيك قولا أني دخلت عليه وأنا متوجس للغاية فقد سمعت الكثير عنك وعن فكرك وسمعت أنك تسمي نفسك وأتباعك بالسلفية الجديدة وسمعت أيضا أنك من السرورية الذين يكفرون الحاكم ويرون جواز الخروج عليه وعلى حد علمي عنهم مما أقرأه في المنتديات السلفيه أنهم جماعة سرية وتنظيم وهم يجمعون بين السلفية والإخوان، فما هو ردك على هذا الكلام، فقد آثرت أن أسألك شخصيا عبر موقعك حتى لا أكون ممن يخوضون في الحديث عن الآخرين؟

 
  الرد

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

بداية أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع المبارك، وجزاك الله خيرا على هذا الثناء، وبقدر ما أسعدني ذلك،  بقدر ما أحزنني ما تلاه من كلمات أقل ما يقال عنها أنها عارية تماما من الصحة ولا أصل لها، وإني لأتعجب من بعض المغرضين الذي يكيلون التهم جزافًا، بل ويتناقضون مع أنفسهم، فتارة يسمونني بالتشدد والتطرف، وتبني بعض الآراء المتشددة المفضية إلى فتح الباب لتكفير المسلمين، وتارة يتهمونني بالتساهل والتفريط، وأنني ممن يميعون القضايا العقدية، ويخرجون على الثوابت الشرعية والمنهجية.

والحقيقة أني أسمع هذه الاتهامات وغيرها الكثير منذ زمن بعيد، ولكني كنت أفضل عدم الرد لرؤيتي أن الخوض في مثل هذه الأحاديث من باب تضييع الأوقات فيما لا يفيد فعامة من يتكلمون عن غيرهم ويصنفونهم لا يفعلون شيئا في الواقع سوى هذا، والحقيقة أن من يقرأ كتبي التي طبعت ومقالاتي المنشورة على هذا الموقع، يدرك جيدا حجم الكذب والادعاء الذي يدعيه هؤلاء المصنفون، ولكن زيادة في التأكيد أوضح لك ما هو منهجي تحديدا في الكلمات الموجزة التالية.

وأحب أن أوضح نقطة هامة وهي أنني كنت ولا زلت من الذين يقولون إن الضبط الشرعي المنهجي للدعوة الإسلامية قضية أساسية ومحورية لابد أن تعتني بها الحركة الإسلامية، حتى تكون انطلاقتها في الواقع لإصلاح الأمة على نور وبصيرة، كما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم  أن يقول {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، وحتى تنأى دعوة الإسلام بنفسها عن أن تقع في إحدى طرفي الغلو من إفراط أو تفريط، كما وقع للكثيرين في هذه الأيام، فبعضهم يغالي في قضية الثوابت، فيجعل خياراته الفقهية في المسائل الاجتهادية ثوابت ملزمة لعموم الأمة، ويحاسب الآخرين عليها، والبعض الآخر يتنازل عن بعض الثوابت القطعية، ومعاقد الإجماع بحجة التطور ومواكبة الواقع.

والحق دائما وسط بين الطرفين، فلابد لكل داعية أو مصلح أو حركة إسلامية من الحفاظ على الثوابت الشرعية، التي ثبتت بالدليل القطعي، وانعقد عليها إجماع الأمة، وهو ما يتمثل في أصول أهل السنة والجماعة في الاعتقاد، ومنهج الاستدلال، وكذلك ما انعقد عليه إجماع الأمة في المسائل الفقهية، مما لا يحل لأحد مخالفته تحت أي دعوى، وما عدا ذلك فلا يجوز لكائن من كان أن يتبنى فيه رأيا اجتهاديا ويفرضه على الأمة، ويعتبر المخالف له فيه خارجا عن ثوابت الدين، أو متنازلا عنها.

ولقد تبين لي من خلال تأملي في واقع الحركة الإسلامية أن كثيرًا من القضايا التي يعدها بعضهم من الثوابت إنما هي خيارات فقهية لأصحابها في مسائل اجتهادية، لا يجوز الإنكار فيها على المخالف، والجمود على بعض هذه الخيارات قد شكل معوقات حقيقية أمام الحركة الإسلامية في استيعاب تحديات الواقع المعاصر، ومعالجة الانحرافات الموجودة في مجتمعاتنا الإسلامية، كما أن كثيرا من هذه الخيارات نلحظ فيه ردة الفعل النفسية تجاه ما ينتشر في بلادنا من انحرافات عن تطبيق الشريعة، سواء من النظام أو من المجتمع.

وأنا بعون الله ، أبين هنا الموقف الشرعي الصحيح من بعض هذه القضايا، وفق الفهم السليم للكتاب والسنة، وكلام أهل العلم، في وسطية واعتدال، هما سمت لشريعة الإسلام، مصداقًا لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]

1- الموقف الصحيح من الحزبية:

الحزبية: هي التعصب لحزب معين بالحق أو بالباطل، والإعراض عمن لم يدخل في هذا الحزب، سواء كان على الحق أو على الباطل، والدعوة إلى إلغاء الآخر، واحتكار الحق والصواب، وتضليل المخالف.

وهذه الحزبية داء عضال استشرى في جسد الأمة ومرض خطير ينبغي اقتلاعه؛ لأن آثاره خطيرة ومنها على سبيل المثال: الضعف والهزيمة والحرمان من الخيرات وفقدان المحبة والألفة بين أركان المجتمع المسلم، وانشغال المسلمين عن قضايا أمتهم الكبرى.

ولهذا فقد آثرت أن أتسمى بما سماني به المولى عز وجل في كتابه  {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} [الحج: 78]، فاكتفيت بشمول الإسلام وعظمته من أن أنسب إلى طائفة دون أخرى، فهذا سلفي وهذا إخواني وغير ذلك من الأسماء مع تأكيدي على أن التعاون على البر والتقوى أمر يقره الشرع، ولكن هناك فرق بين التعاون على البر والتقوى والحزبية:

فمن الظلم البين أن نسوي بين التعاون على البر والتقوى والحزبية، فالتعاون على البر والتقوى إذا كان بعيدًا عن التحزب والتعصب كان أمرا محمودا ومشروعا فقد قال سبحانه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

وقد اتفقت عبارات السلف والخلف على مشروعية العمل الجماعي وهذا هو الحق إن شاء الله في هذا الباب, ولكن هذه المشروعية لا تكون إلا بضوابط شرعية لا بد من توافرها في هذا التجمع حتى يستوفي مشروعيته، وهي:

الأول ـ التمسك بالثوابت الشرعية، والالتزام التام بقطعيات الشريعة.

الثاني ـ العمل في إطار المصالح الكلية العليا للأمة، وعدم جر البلاد والعباد إلى الفتن والفساد،  مع الأخذ في الاعتبار حرمة الخروج على الحكام عمومًا, وأن الحاكم في مصر مسلم ولا يجوز الخروج عليه.

وإني لأعجب بعد ذلك ممن يقرأ هذا الكلام في كتبي ومؤلفاتي ومقالاتي المنشورة، ثم يحاول بعد ذلك أن ينسبني إلى تيار معين أو اسم معين، ومنها ما يسمى بالفكر السروري أو جماعة السرورية التي وردت في كلام السائل الكريم، مع أنني لم أكن يوما في حياتي منتميا إلى اسم بعينه أو جماعة بعينها، ليس لأني أرى حرمة ذلك، وإنما لأن هذا هو مقتضى منهجي الذي أدين الله تعالى به، وأراه الأصلح لهذه الأمة، ثم الأصلح لي ولدعوتي ولفكري.

وأما التيار السروري، فالذي أعلمه عنه ما ذكره مؤسسه الشيخ محمد سرور بن نايف زين العابدين، في حواره المشهور الذي أجرته معه قناة الحوار من خلال برنامج مراجعات، وقد تحدث فضيلة الشيخ وأفاض في عرض فكره ومنهجه، ولم يكن من بينه ما ذكر السائل، ومع ذلك فكلٌّ يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الأمر الذي يجب أن يكون واضحا أنني لا أنتمي إلى اسم أو شيخ أو تيار بعينه، سواء ما يسمى بالسرورية أو السلفية الجديدة أو غيرها من الأسماء، بل الذي يعبر عني هو منهجي المدون في كتبي ومؤلفاتي، وهو أنني اخترت لنفسي الحرص على الانتماء للاسم الأعظم الذي ارتضاه الله تعالى لنا جميعا، وهو اسم الإسلام العظيم.

2- الموقف الشرعي الصحيح من عمليات العنف

أولا: ما هي عمليات العنف؟

ونقصد بها  تلك العمليات التخريبية التي قامت بها بعض التيارات المنحرفة عن منهج الإسلام السمح، بقصد إحداث تغيير في المجتمع ، عن طريق قتل المسلمين، والسياح الأجانب، وتفجير لمنشآت مدنية وعسكرية وغير ذلك.

ثانيا: الموقف منها:

هذه الأعمال حرمتها قطعية ولا تجوز للأسباب التالية:

1- ما فيها من إزهاق للأنفس المعصومة: سواء نفس المسلم، أو نفس الذمي المعاهد.

2- ما يترتب عليها من المفاسد الضخمة القطعية وانتفاء أي مصلحة متوهمة منها.

3- أن هذه العمليات ليست من الجهاد الشرعي في شيء:

وذلك لأن الجهاد في الإسلام شرع في الأصل ضد العدو الخارجي وله غايات محددة ينبغي أن تتحقق وإلا صار ممتنعا، لا سيما إذا جاء بضد قصده، وهي الدفاع عن المسلمين لقوله تعالى:  {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} وضمان حرية الناس في الدخول في الإسلام أو البقاء على ما هم عليه، وهداية الخلائق،  لقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِله} 

 وعلى ذلك، فإن هذه العمليات ليست من الجهاد الشرعي في شيء، لعدم تحقق مقاصد الجهاد منها، ولأنها ليست ضد أعداء الإسلام، فلا تحدث نكاية إلا في الإسلام وأهله، ولعدم التزام أصحاب هذه العمليات بأخلاقيات الجهاد في سبيل الله والتي منها: عدم جواز الغدر والخيانة ونقض العهد وعدم جواز قتل النساء والأطفال وحرمة قتل المدنيين الذين ليسوا من أهل المقاتلة والممانعة.

 3- حكم الخروج على الحكام

الذي نراه عدم جواز الخروج على الحكام وإن جاروا أو ظلموا، وذلك للأسباب الآتية:

1-             لما في ذلك من المفاسد الكبيرة وإتلاف للبلاد والعباد.

2-              أن تغيير المنكر باليد هو من اختصاص صاحب كل سلطان في سلطانه، وليس لآحاد الرعية، كما قرر ذلك المحققون من أهل العلم.

3-              أن مجمل المنكرات في مجتمعاتنا المعاصرة سواء من الحكام أو المحكومين لا تصل إلى حد الكفر البواح الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إلا أن تروا فيه كفرا بواحا،عندكم من الله فيه برهان).

4- الموقف من الحاكم في جمهورية مصر العربية

لا خلاف بين المسلمين على وجوب تحكيم شريعة الله، وأن ذلك من أوجب واجبات الحاكم المسلم، يقول الشيخ بكر أبو زيد: (( إن تحكيم شرع الله تعالى من أعظم الواجبات؛ قال سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، وكما يجب على كل وال السعي فيما يصلح رعيته ويدفع المضار عنهم ويطهر مجتمعاتهم من الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، ومن سائر الموبقات والمحرمات كالخمر والبغاء والربا والقمار وغيرها, قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)) [متفق عليه].

والذي نراه أن الحاكم في مصر مسلم، وذلك وفقًا للأدلة الشرعية الآتية:

أولا: أن المرجعية الشرعية المعتبرة عند الحاكم في مصر هي الأزهر الشريف،  والذي يرى أن مسألة الحكم بغير ما أنزل الله هي كبيرة من الكبائر وليست كفرا أكبر مخرج من الملة.

ثانيا: أن هناك الكثير من علماء أهل السنة مثل الشيخ الألباني رحمه الله وعلماء أنصار السنة وغيرهم من المعاصرين يرى أن مسألة الحكم بغير ما أنزل الله كفر دون كفر ولذلك فهذه المسألة ليست محل إجماع بين أهل السنة وعلى هذا فلا يجوز أن نحكم على المعين بالكفر في مسألة مختلف فيها.

ثالثا: وعلى القول بأن مسألة الحكم بغير ما أنزل الله هي كفر أكبر مخرج من الملة فلابد من اعتبار عارض الجهل والتأويل والشبه المثارة حول عدم التطبيق والتي تقود جميعًا إلى القول بعدم التكفير وهذا هو الراجح والله أعلم . 

رابعا: أن الدستور ينص بوضوح على أن مصر دولة إسلامية، وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، وإن كان هناك خلل كبير في التطبيق في كثير من الجوانب، إلا أن هناك خير كثير، لا يمكن إغفاله، وليس أدل على ذلك من حالة الاستنكار التي حصلت من قبل أركان النظام المصري، والنخب المثقفة ضد رئيس الوزراء عندما صرح بأن مصر دولة علمانية، حتى اضطره رئيس الدولة أن يتراجع عن تصريحه في وسائل الإعلام.

5- حكم السفر إلى العراق أو فلسطين أو ما شابهها من الدول المحتلة، من أجل الجهاد.

الذي أراه أنه لا يجوز السفر إلى هذه البلاد أو غيرها للجهاد وذلك للأسباب الآتية:

1- من المعلوم أن فرض العين محكوم بمناط التكليف وهو القدرة, أي أن غير القادر على الجهاد لعذر شرعي يسقط عنه هذا الفرض, والعجز عن الجهاد ليس محصورًا فقط في العجز البدني عن المقاتلة, بل أيضا يدخل ضمنه العجز عن الوصول إلى ساحة القتال, لانقطاع الطريق, أو للخوف من حصول الهلكة فيه قبل الوصول إلى ساحة القتال، وحصول الهلكة في الطريق إلى هناك في واقعنا متحقق بغلبة الظن, والمسافر إلى هناك يتعرض لمخاطر شتى من تعرضه للاعتقال والتعذيب من قبل الأعداء, وغيرها من المخاطر التي لا تتعلق به وحده, بل تتعلق أيضا بمن حوله من أهل وأصدقاء في بلده وما سيوقعهم فيه من حرج شديد.

2- أن المجاهدين في هذه البلاد لا يحتاجون إلى مزيد من القوة البشرية بقدر ما يحتاجون إلى القوة المادية, فالحروب هذه الأيام تختلف عن الحروب قديما, حيث كانت القوة العددية هي المرجح الأساسي لموازين القوى في أي معركة, وبذلك يصبح السفر إلى هناك ليس ضروريا.

3- أن الفائدة المرجوة من السفر إلى هذه البلاد, هو تحقيق النصرة لمن وقع عليهم الاعتداء والمساهمة في دفع العدو الصائل, ولا ينبغي أن نهمل هذه النقطة لأنها علة حكم السفر, ومن المعلوم عند علماء الأصول أن الحكم يدور مع علته, فإذا انتفت العلة أصبح الحكم غير محقق للمقصود منه, ومن يسافر إلى هناك في الأعم الأغلب لا يدري أي شيء عن فنون القتال أو الحرب, ويحتاج إلى تدريب وإلى سكن وإلى حماية وطعام وشراب ومأوى, فيتحول الأمر من مساعدة المجاهدين, إلى زيادة الأعباء عليهم من أجل حماية هؤلاء الوافدين.

4- من غير المعقول أن يترك المرء فرض العين المطالب به على وجه التحديد من أجل فرض الكفاية الذي يقوم به غيره, والدعوة إلى الله ومحاولة تغيير المنكرات التي تعج بها مجتمعاتنا هذه الأيام بالحكمة والموعظة الحسنة فرض على كل مسلم بقدر استطاعته, والأمر يحتاج إلى مجهود كبير وتكاتف من الجميع, فلا يعقل أن نترك الأمر هنا وهو يحتاج إلينا, ونذهب إلى مكان آخر لن نحقق فيه الفائدة المتوقعة بل على العكس ربما -وهذا هو الغالب- لا نحقق أي فائدة.

5- السفر إلى هذه البلاد من باب تعريض النفس للهلاك بغير فائدة وهو مخالف لكتاب الله عز وجل القائل: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم القائل أيضا: ((لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه)), قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((يتعرض من البلاء لما لا يطيق)).

ولذلك فالذي نراه هو عدم جواز السفر إلى هذه البلاد؛ لما في ذلك من تعريض النفس للهلاك وتكليفها بما لا تطيق، وترك لواجب عيني وهو الدعوة إلى الله، بجانب عدم تحقق الغاية من السفر وهي نصرة المسلمين .

6- مسألة تارك جنس العمل

وهي في الواقع من مسائل الترف الفكري الذي لا ينبني عليه أية أحكام عملية وليست من أصول الإيمان ولا فروعه، والقائل بلزوم جنس العمل لثبوت عقد الإيمان  ليس من الخوارج والقائل بضد ذلك  ليس من المرجئة. ورحم الله الشيخ ابن عثيمين حيث قال: ( أما جنس العمل، أو نوع العمل، أو آحاد العمل، فهذا كله طنطنة لا فائدة منها...), ثم قال رحمه الله ناصحًا لمن يتحدث في مثل هذه القضايا: ( وإني أنصح إخواني أن يتركوا هذه الأشياء والبحث فيها، وأن يرجعوا إلى ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، والسلف الصالح لم يكونوا يعرفون مثل هذه الأمور، المؤمن من جعله الله ورسوله مؤمنًا، والكافر من جعله الله ورسوله كافرًا ).

والذي نراه أن تارك جنس العمل لا يكفر

 وليس أدل على ذلك من  حديث الشفاعة الطويل، وهو المعروف بحديث الجهنميين، وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم ((... فيقول الله U: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين؛ فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حُممًا، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يُقال له: نهر الحياة؛ فيخرجون كما تخرج الحبة في حَمِيل السيل ... فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم، يعرفهم أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه ...)).

فهذا نص صريح من النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات أصل الإيمان لقوم لم يعملوا خيرا قط فعلم من ذلك أن جنس عمل الجوارح ليس لازما لثبوت عقد الإيمان والله أعلم.

و جمهور العلماء أن تارك الأركان تكاسلًا لا يكفر، وهذا هو الصحيح الذي عليه الأدلة، إلا إذا جحد وجوبها، وهو الصحيح والله أعلم. 

7- حكم تارك الصلاة تكاسلا غير جاحد لها

والذي نراه هو رأي الجمهور وهو أن تارك الصلاة تكاسلا أو تعمدا من غير جحود ليس بكافر

قال الإمام النووي رحمه الله: (وأما تارك الصلاة, فإن كان منكرًا لوجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين, خارج من ملة الإسلام, إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام, ولم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة عليه, وإن كان تركه لها تكاسلاً مع اعتقاد وجوبها -كما هو حال كثير من الناس- فقد اختلف فيه العلماء, فذهب مالك والشافعي رحمهما الله والجماهير من السلف والخلف إلى أنه لا يكفر بل يفسق ويُستتاب فإن تاب وإلا قتلناه حَدًّا, كالزاني المحصن ولكن يُقْتَل بالسيف.

وذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر, وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه, وهي إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل رحمه الله, وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي رضي الله عنهم أجمعين).

8- الموقف الصحيح من قضية الديموقراطية والمشاركة السياسية

1- الديموقراطية في مضمونها ما هي إلا آلية تنفيذية لضمان الحفاظ على قيم العدل، والمساواة، وعدم الاستبداد، وليست دينًا، أو عقيدةً، أو مذهبًا سياسيًّا، وهي من هذه الناحية لم تتحقق بصورة كاملة وحقيقية على مر التاريخ إلا في خلال الحكم الإسلامي, في ظل الخلافة الراشدة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.

2- إن دعوى ترادف العلمانية والديموقراطية أو تلازمهما باعتبارهما وجهان لعملة واحدة؛ هي دعوى باطلة، لا أثر فيها للصحة، فالديموقراطية ميراث حضاري كغيرها من المخترعات والمكتشفات البشرية، ولا يصح لأمة أن تحتكرها

2- إذا قارنا مبادئ النظام السياسي في الإسلام: بتلك التي تدعو إليها الديموقراطية في معناها الصحيح؛ لوجدنا أن تلك المبادئ تتوافق إلى حد بعيد مع قيم النظام الإسلامي ومبادئه, من حيث كَوْن الشعب مصدر السلطات, والمحافظة على حقوق الإنسان، وهي في  حقيقتها لا تعدو كونها شكلًا من أشكال الآليات التنفيذية التي يمكن من خلالها تحقيق المبادئ والأصول السياسية التي جاء بها الإسلام لكبح جماح الحكام, ومنع التسلط والاستبداد, وتحقيق مصالح العباد.

ونحن نرى مشروعية الممارسة السياسية عبر آليات الديموقراطية, وجواز اتخاذها كسبيل إلى نشر الدعوة الإسلامية؛ إلا أننا لا نرى فيها خيارًا شاملًا, يمكن أن يؤدي إلى إحداث نقلةٍ كبيرةٍ في واقع الأمة المنحرف عن شريعة الله تعالى.

بل قصارى ما يمكن أن يحققه ذلك السبيل هو بعض المكاسب الجزئية النافعة لدعوة الإسلام, أما تغيير واقع الأمة فأمر عظيم, أبعد من أن يتحقق بمجرد استلام سلطة, أو تغيير لنظام حكم.

وأما الخيار الشامل الصحيح الذي يمكن أن يؤدي إلى إصلاح حقيقي فهو خيار التغيير الاجتماعي، والذي يتوجه بالأساس إلى تغيير المجتمع، لا النظام،  بهدف إقامة النموذج المثالي للمجتمع المسلم, والذي هو الخطوة الأساسية في سبيل إقامة النموذج الكامل لدولة الإسلام؛  وهذا يتطلب منا العمل على إصلاح ثلاث منظومات, بها يتم إقامة المجتمع المسلم: منظومة  الإيمانيات، ومنظومة القيم والأخلاقيات، ثم منظومة الإنتاج والفاعلية

  9- الموقف الصحيح من الغلو

- ضوابط التكفير عند أهل السنة

(1) الحكم بالظاهر وإلى الله السرائر.

(2) التفريق بين التكفير المطلق وتكفير المعين.

(3) من ثبت إسلامه بيقين لا يزول بشك.

(4) عدم تكفير مرتكب المعصية ما لم يستحلها.

(5)  التكفير حكم شرعي لا مدخل للرأي فيه.

(6) عدم تكفير كل مخالف لأهل السنة بسبب مخالفته.

(7) لا يحكم على المعيَّن بكفر- حتى لو توافرت شروط التكفير- إلا بعد انتفاء الموانع:

والتي منها: الجهل والخطأ والإكراه والتأويل.

وعلى ذلك فالذين ندين الله به أن مجتمعاتنا اليوم هي مجتمعات مسلمة رغم ما هي عليه من انحرافات عن شريعة الله تعالى، وأما جماعات التكفير والهجرة، والتوقف والتبين، والقطبيين، فهذه من الجماعات البدعية المنحرفة عن منهج أهل السنة والجماعة، وأفكارها يجب محاربتها علنا، وتحذير المسلمين عامهم وخاصهم من شرور هذه الفئات المتطرفة.

10- الموقف الشرعي الصحيح في التعامل مع أهل الكتاب

معاملة أهل الكتاب في داخل المجتمع المسلم تكون على وفق الجمع بين ركنين أساسيين وهما :

الركن الأول: سماحة  الإسلام في معاملة أهل الكتاب، وإعطاؤهم حقوقهم التي أمر الله بها، والتي منها:

أولا ـ العدل والقسط.

ثانيا ـ الأمن والأمان: على الدماء والأبدان، والأموال والأعراض، وعند العجز والشيخوخة، ومن العدوان الخارجي:

ثالثا ـ  الحرية: حرية التدين، والعمل والكسب.

الركن الثاني: الحفاظ على عقيدة الولاء والبراء 

فلا يجوز أبدا أن نهدم أصل الولاء والبراء بحجة التسامح مع أهل الكتاب، إذ أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وهو ناسخ لما قبله من الشرائع السماوية، والمسلم عند الله جل وعلا لا يقارن بغيره بأي حال من الأحوال، فهو أعز وأكرم، بما معه من إيمان وإسلام، ولكن مع ذلك فلكل من الطرفين حقوق, وعليه واجبات لا بد أن يؤديها كما أمر شرع الله تبارك وتعالى.

كما لا يجوز في مقابل ذلك أن نهدم أصل التسامح مع غير المسلمين من أهل الكتاب، بحيث يكون الأصل في معاملتنا لهم: الشدة والقسوة والغلظة، بحجة تحقيق الولاء والبراء، وأن ذلك من لوازمه، مع أن النصوص التي تأمر بمعاملتهم بالرأفة والسماحة والرحمة كثيرة وظاهرة، وحقوقهم في شرع الله تعالى محددة معروفة، بما يكفل لهم كرامة العيش في بلاد المسلمين، وعدم التحول إلى طابور خامس يعطي ولاءه لأعداء الأمة.

11- بيان السبيل الصحيح للإصلاح:

إن الحركة الإسلامية قد خسرت كثيرا عندما عزلت نفسها عن مجتمعاتها، وكونت أحزابا تتعصب لها بحق وبغير حق، محاولة أن تدخل المجتمع ضمن أطرها، وليس العكس، وذلك تأثرا منها بفكر سيد قطب رحمه الله، والذي يقوم على نظرية القاعدة الصلبة، والتي تقضي بوجوب تكوين مجموعة تنعزل عن المجتمع عزلة شعورية، تستقيم فيها على الشرع، ثم تجاهد هذا المجتمع لنصرة الدين، حتى يتميز المجتمع كله إلى فسطاطين، فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، ثم تحدث المواجهة بين الفسطاطين، حتى يكون النصر للمؤمنين.

ومكمن الخلل البالغ في هذه النظرية، أنها قد قاست واقعنا المعاصر على واقع المجتمع الجاهلي في مكة بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا لا شك أنه خطأ فادح، فإن مجتمعاتنا ولله الحمد مجتمعات إسلامية فيها خير كثير، وهي محبة بطبعها للدين، وإن كان هناك انحرافات خطيرة، سواء على مستوى الأنظمة أو الشعوب، إلا أنها لا تصل في مجملها إلى حد الكفر الذي يبيح توصيفها بالمجتمعات الجاهلية كما قال سيد رحمه الله.

وعلى ذلك نقول: إن الطريق الصحيح لإصلاح الأمة ، ولإقامة النموذج الكامل للدولة الإسلامية، هو الذي يبدأ بإصلاح المجتمع، ودخول الحركة الإسلامية ضمنه، ومن خلال أطره الشرعية، لا الانعزال عنه، بهدف إدخاله في أحزاب أو جماعات، أو القفز عليه من خلال استلام السلطة أو النظام، فإن النظام لا ينفصل عن المجتمع، فهو جزء منه، وثمرة له، وبصلاح المجتمع يصلح النظام، ويكون خير البلاد والعباد.

هذا ما أدين الله تعالى به بالنسبة للقضايا المنهجية المحورية، والسبيل الصحيح الذي أراه مناسبا لبلادنا من أجل عملية الإصلاح المنشود.

 
     2764
                                                                                                                             جميع الحقوق محفوظة لموقع المستشار © 1428 هـ