لأول مرة منذ فترة طويلة تسيطر على القمة العربية قضية أخرى غير القضايا المعروفة، مثل قضية فلسطين وقضية العراق. صحيح أن هذه القضايا ما زالت على أجندة القمة التي ستبدأ يوم 29 مارس بدمشق، إلا أن الوضع في لبنان هو المخيم على القمة؛ حيث سيغيب تسعة زعماء من أصل 21 زعيمًا، ويرجع غياب بعض القادة إلى عدم حل الأزمة الرئاسية المستمرة في لبنان، ودعم سوريا ـ البلد المضيف ـ للمعارضة، والتي توجَه لها الاتهامات بتعطيل التوصل لاتفاق حول المرشح الرئاسي، والبعض الآخر لا يشعر بإمكانية التوصل لحلول ملموسة للقضايا المطروحة فيعفي نفسه من الحرج بعدم الحضور.
الوضع الحالي ينذر بفشل مبكر للقمة، وهو فشل ليس بجديد على القمم المتعاقبة. ومع ذلك، وفي ظل الأوضاع المتأزمة في فلسطين والعراق، كان البعض يعوّل على القمة لاتخاذ بعض القرارات الهامة، خصوصًا بصدد رفع الحصار عن غزة. سوريا من جهتها اتهمت الإدارة الأمريكية بالسعي لإفشال القمة، وذكرت أنها وراء رفض لبنان تلبية الدعوة، ولا شك أن واشنطن يهمها عدم توصل القمة لأية قرارات حاسمة، وتوسيع الشقاق بين الدول العربية؛ لأن في ذلك مصلحة مباشرة للكيان الصهيوني للانفراد بالفلسطينيين، لكن على الجانب الآخر فإن دمشق ساعدت على وصول الأوضاع لما هي عليه الآن.
سوريا ما زالت تتمادى في الوقوف في الصف الإيراني، رغم ما تمثله من خطر على المصالح العربية في المنطقة، مع تزايد نفوذها في العراق، واستمرار احتلالها للجزر الإماراتية، وإبداء العديد من الدول العربية قلقها من تنامي قوتها العسكرية، كما أن دمشق لا زالت تضع قدماً في لبنان رغم انسحاب قواتها، وهذه القدم تتمثل في حزب الله وبعض القوى الموالية لها، وهذه القوى تصر على السطو على القرار اللبناني رغم أنف الأغلبية، مهددة ببقاء الوضع على ما هو عليه، بما في ذلك من تعريض لأمن البلاد للخطر، مع تهيئة الأوضاع لأعمال عنف متكررة؛ وهو ما يؤثر بشكل عام على الأوضاع في المنطقة.
أكثر الدول العربية تضع مصالحها أولاً، أو ما تتوهم أنه كذلك، ثم أية قضية أخرى مهما كانت أهميتها وتأثيرها على المجموع، وهي صفة تزداد بروزًا مع مرور الأيام وتعاقب القمم؛ مما يؤدي إلى اضمحلال النتائج المترتبة عليها، والطريق الصحيح لإصلاح حال هذه القمم هو الاتفاق على استراتيجية لتحديد المصالح العامة والخاصة، ومدى اتفاقها أو تعارضها وهامش الاتفاق الممكن، بغض النظر عن الشعارات الضخمة، فالاتفاق على القليل خير من التشرزم والاختلاف الحاصل الآن.
المواطن العربي قبل كل قمة يرفع يديه إلى السماء طالباً من الله أن يتفق زعماؤه على أمر واحد يتم تنفيذه بعيدًا عن البيانات النمطية المعتادة، هذه المرة ظهرت النتائج مبكراً أكثر من اللازم؛ فلينتظر المواطن المرة القادمة لعل وعسى.
المصدر: مفكرة الإسلام
|