الثلاثاء 07 سبتمبر 2010 م -- 29 رمضان 1431 هـ من نحن وماذا نريد خدماتنا إصدراتنا إتصل بنا
الأخبار
العالم العربي والإسلامي
أفرقيا وأوربا
آسيا وأستراليا
الأمريكتان
تقارير عامة
مقالات وتحليلات
المسبار
صوتيات ومرئيات
مستشارك الخاص
جديد المستشار
العادات السبع للزهرات الأكثر فعالية

العادة السرية

الغدر بالصدر..لماذا؟!

سنة أولى مدرسة

فشل مبكر للقمة العربية

كيف يصل الطيبون إلى الطيبات؟

هدايا العيوب

هل أنت قوي

هل المحكمة الدستورية ضد الديمقراطية الحديثة في تركيا؟

وصاحبني الكلب!!

نحو أسرة سعيدة
الحياة الزوجية
أطفالنا أكبادنا
إلى الشباب
إلى ربات الخدور
نحو إدارة فعالة
إدارة الذات
إدارة المؤسسات
إدارة دعوية
2.5 مليون أحيوا ليلة 27 رمضان في الحرم المكي    *    صحيفة: بصمة إيران على المخطط الانقلابي بالبحرين    *    خلفان: تجسس أمريكا و"إسرائيل" وراء أزمة "بلاكبيري"   *    بلير يكشف عن رغبات تشيني الدفينة في مذكراته    *    العراق: إعلان أوباما سيلاحقه كسلفه صاحب "المهمة انتهت"   *   
  والله لا أتعثر بعدها أبدًا
  8 ذو القعدة 1430 6هـ -- 26 اكتوبر, 2009م -- 06:51 ص

والله لا أتعثر بعدها أبدًا

بطل من زمان غير زماننا, مرت عليه الليالي والأيام وقد أغرقته الذنوب والشهوات, وتعثر في صخور المعاصي والخطايا, لكن هذا البطل لما رأى النور حنَّ إليه فؤاده، ولان له جلده, قد ودع أيام شقائه، وخلع عنه عباءة الرزايا، وهجر سالفة الذنوب وتوجه بكيانه وجوارحه إلى حيث نور الرسالة المبين، فما هي إلا وقفة صادقة، فرحمة الله قريب من المحسنين.

إنه بطلنا الذي نتحدث عنه "أبو محجن الثقفي" أو قل إن شئت أنه الحبيب إلى نفوسنا "عمرو بن حبيب", كان قبل إسلامه قد تلطخت يده بدماء عبد الله بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، والذي أرداه سهم من كنانة أبي محجن، فأدمى قدمه واندمل فأماته بعد سنين, وما كان أحد أكثر من أبي محجن إقدامًا على معاقرة الخمر, أو ليس هو القائل في شعره:

إذا مت فادفني إلى جنب كرمة                        تروي عظامي بعد موتي عروقهـا

ولا تدفني بالفلاة فـــإنني                         أخاف إذا مـا مت أن لا أذوقها

إنه ذلك البطل الذي انتقل من معاقرة الخمر والهيام بها، إلى الشغف بمجاورة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته.

ولكن أبا محجن بشر، يعتريه الزلل، فما من معصوم إلا أصحاب العصمة من الأنبياء، كان يجتر أبا محجن الحنين إلى شراب الماضي، فيقع في شراكها, بعدما تضعف نفسه, وما أكثر ما روي عنه أنه أوتي به إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يجلده في الخمرحتى اختلف العلماء, أكانت سبع مرات أم كانت ثمانية؟!!

لكن يبقى السؤال؛ كيف كان حال أبي محجن حال وقوعه في تلك الكبيرة؟ وكيف كان حاله بعدها؟ وكيف انتهت قصة أبي محجن رضي الله عنه؟

كان أبو محجن من الشجعان الأبطال في الجاهلية والإسلام، من أولي البأس والنجدة ومن الفرسان العظماء، وكان شاعرًا مطبوعًا كريمًا إلا أنه كان منهمكًا في الشراب لا يكاد يقلع عنه ولا يردعه حد ولا لوم لائم، حتى جلده عمر بن الخطاب في الخمر مرارًا، ونفاه إلى جزيرة في البحر وبعث معه رجلًا فهرب منه.

أتدري إلى أي مكان كان هروب أبي محجن؟ لقد لحق بسعد بن أبي وقاص بالقادسية إبان حربه مع الفرس، ذهب إلى أرض القتال بنفسه, ذهب إلى الجهاد في سبيل الله, ذهب ليعلي كلمة الله سبحانه وتعالى, ذهب ليعمل بمقتضي كلمة أخذ بها العهد على نفسه أن ينصر هذا الدين, كلمة قالها وهو على يقين تام بها, كلمة التوحيد "لا إله إلا الله".

ولما علم الرجل الذي أرسله عمر رضي الله عنه أن أبا محجن قد فر إلى القادسية لحق بعمر فأخبره, فكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص بحبس أبي محجن, فما لبث أن وصل إلى أرض القادسية حتى حبسه سعد.

فلما كان يوم المعركة، واشتد البأس واحمرت الحدق وحمي الوطيس، واحتدم القتال, سمع بطلنا المكبل صليل السيوف وصهيل الخيولُ وتسلل إلى أنفه عبير رهج السنابك والغبار المتعالي في سماء المعركة، رثى نفسه أن جلس مكتوف اليدين مستسلمًا لقيد يرزح في قدمه، وقضبان تحول دون فوزه بالشهادة, وأنَّى له أن يصمت عن هذا وقد حباه الله تعالى بيان الشعراء وفصاحة البلغاء، فأنشد بلسان لا قيد عليه ولا لجام, إلا بما أمر رب رحيم بعبدٍ ذاب شوقًا للجهاد, قائلًا:

كفى حزنًا أن تطعن الخيل بالقنا              وأترك مشدودًا علي وثاقيا

فنادى بطلنا بصوت عالٍ على امرأة سعد وقال: حليني ولك عهد الله عليَّ, إن سلمني الله أن أجيء حتى أضع رجلي في القيد, وإن قتلت استرحتم مني, فقالت: إني استخرت الله ورضيت بعهدك, وحلته فوثب على فرسٍ لسعد يقال لها البلقاء ثم أخذ الرمح وانطلق كالسهم حتى أتى الناس فجعل لا يحمل في ناحية إلا هزمهم، فجعل الناس يقولون: هذا مَلَك, وسعد ينظر فجعل يقول: الضبر ضبر البلقاء والطعن طعن أبي محجن وأبو محجن في القيد.

ولم يلبث المسلمون إلا يسيرًا حتى نصرهم الله, وعاد أبو محجن إلى محبسه ورد السلاح وجعل رجليه في القيود كما كان, فجاء سعد فقالت له امرأته: كيف كان قتالكم فجعل يخبرها ويقول: لقينا ولقينا حتى بعث الله رجلًا على فرس أبلق لولا أني تركت أبا محجن في القيود لظننت أنها بعض شمائل أبي محجن, فقالت: والله إنه لأبو محجن كان من أمره كذا وكذا, فقصت عليه قصته, فدعا به وحل قيوده، وقال: والله لا نجلدك على الخمر أبدًا, قال أبو محجن: وأنا والله لا أشربها أبدًا, وأنشد قائلًا:

فلله عهد لا أخيس بعهده          لئن فرجت ألا أزور الحوانيا

نبأ المؤمن:

ذلكم هو ديدن المؤمن ونبأه يسمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) [رواه مسلم، (7141)], فيعلم أن هذه ليست دعوة للشهوات والمعاصي, وحاشا لرسول الله أن يدعو إلا لخير محض, لكنها دعوة للتوبة والاستغفار وسرعة العودة إلى الله حال الوقوع في الذنوب والمعاصي, فكل بنى آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.

إنه كنه هذا الدين وبصيرة ذلك المؤمن, يعقلها بروية لأنها سمة أمته {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143], ويفهمها بحكمة هي ضالة من يعمل على شاكلته, ويقرؤها من فم نبيه كما قرأها الصحابة الكرام, فإذا به يعلم أن من شيمه كما أخبره الصادق المصدوق: (إن المؤمن خلق مفتنًا توابًا نسيًّا إذا ذُكِّر ذكر) [رواه الطبراني في الكبير، (10518)، وصححه الألباني في صحيح الجامع ،(10673)], فإذا كان الناس جميعهم قد وقعوا في شراك الفتن والنسيان, فإن صاحبنا لا يكاد يفتن حتى يتوب ولا يكاد ينسى حتي يتذكر, سمته في ذلك سمت من قال عنه ربه الغفور: { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف:201].

إنه ذلكم المؤمن الذي علم أن سقوط صلاة الفجر منه لا يدفعه إلى ترك صلاة الظهر, لكنه فقه أن توبته عن ذلك هي تلبية نداء الجليل في كل وقت بعدها, وما أبو محجن منا ببعيد, فوالله ما هرب من سجن الخمر إلا إلى دهاليز الحروب, ومن فداء نفسه بعقوبة في الدنيا إلى فداء أمته بنفسه التي بين جنبيه, فخرج وما ولى, وجاهد وما تولى, بل عزم العزمة, ورفع للخير راية يحملها من خلفه كل مؤمن تعثر فأفاق.

وما رَفْعُ راية للخير إلا بالأمر الذي جعل بطلنا منتهيًا عن شرب الخمر, ولو أنه ظل في جزيرته حبيسًا لقضي عقوبته ثم عاد إلى ما كان عليه, لكنها الطاعة الولود تحلق بصاحبها في أجواء التوبة.

وعلى أي الطاعات أقدم أبو محجن؟ دعونا لنتعلم من فقه صحابي تربى في مدرسة النبوة, لقد تقرب بطاعة تمحو آثار الذنوب, وتجعل العبد يتجاوز حدود نفسه الضيقة إلى أبعد نطاق قد يفكر فيه بشر على وجه هذه الأرض, فيفكر في حال أمة جمعت بين طياتها مليار ونصف المليار مسلم, فعندما يقدم على عمل ينفع به أمته, ثم يفكر في أمر تلك التفاهات التي قد تعوقه عن نصرة دينه, فيأتي الجواب واضحًا في ذهنه أن "أفق تفق أمتك".

هذا هو مثل المؤمن, يبارز المعصية بالطاعة, ويحارب الشيطان بالعبادة, لكنها مبارزة لا تدوم, وحرب لا تطول, فما هي إلى سويعات صبر معدودة حتى يرفع بطلنا المؤمن راية النصر التي لا هزيمة بعدها, في يوم تنسكب فيه عبرات الندم على ما فات, ودموع الفرح لما هو آت, معلنًا بقلب قد واعد ولسان قد عاهد "والله لا أتعثر بعدها أبدًا".

أهم المراجع:

-       الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر.

-       الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ابن عبد البر.

-       أسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير.

     302
                                                                                                                             جميع الحقوق محفوظة لموقع المستشار © 1428 هـ