همة العجوز
بينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، ينهلون من معين حكمته، ويغترفون من نهر علمه، ويلتمسون القدوة في محياه، دخل أعرابي على الحبيب صلى الله عليه وسلم، فأكرمه صاحب الخلق العظيم، وقال له: سل حاجتك، فقال: يا رسول الله ناقة برحلها وأعنز يحلبها أهلي قالها مرتين، فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم: أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل فقال أصحابه: يا رسول الله و ما عجوز بني إسرائيل؟
وهنا يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم يقص على أصحابه تلك القصة العجيبة، وينقلهم بعذوبة حديثه عبر حواجز الزمن إلى الماضي السحيق، وهم يستمعون، وكعادتهم يصغون خاشعين كأن على رءوسهم الطير، كلهم يود أن يعرف قصة عجوز بني إسرائيل، وما علاقتها بأمنية الأعرابي، وصمت الجميع وأصغوا أسماعهم للحبيب:
(إن موسى لما سار ببني إسرائيل من مصر ضلوا الطريق فقال: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقًا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا.
قال: فمن يعلم موضع قبره؟ قال: عجوز من بني إسرائيل فبعث إليها فأتته فقال: دليني على قبر يوسف؛ قالت: حتى تعطيني حكمي قال: ما حكمك؟ قالت: أكون معك في الجنة فكره أن يعطيها ذلك.
فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها فانطلقت بهم إلى بحيرة: موضع مستنقع ماء فقالت: أنضبوا هذا الماء فأنضبوا قالت: احتفروا واستخرجوا عظام يوسف فلما أقلوها إلى الأرض إذا الطريق مثل ضوء النهار) [رواه أبو يعلى في مسنده، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، (313)].
فحكى لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني إسرائيل قد ضلوا طريقهم لأن يوسف عليه السلام كان قد أخذ عليهم الميثاق بألا يخرجوا من مصر حتى يحملوا عظامه ـ أي جثمانه، حيث تطلق كلمة العظام ويراد بها الجسد كله ـ هكذا أخبر علماء بني إسرائيل، لكن المشكلة كمنت في أنه ليس هناك من بني إسرائيل من يعلم مكان القبر غير امرأة عجوز منهم، فأتاها كليم الله يسألها أن تدلهم على قبر يوسف عليه السلام.
وهنا تدرك العجوز أن الجميع يحتاجونها، فلا ينبغي أن تفوت الفرصة، يمكنها أن تطلب منهم أي شيء، ولاريب أنهم سيجيبونها إلى ما طلبت، فهي صاحبة السر العظيم، الذي هو بوابة العبور إلى الطريق الصحيح.
فماذا عساها أن تطلب في هذا الموقف؟ أو تطلب مالًا، فعما قليل سيفنى المال، أتطلب دارًا فسيحة؟ فعما قريب ستفارقها إلى التراب، لكن تلك العجوز كانت همتها تحلق في الآفاق البعيدة، سمت همتها وعظمت غايتها.
لقد طلبت ما إليه المنتهى من الآمال والأماني، لقد طلبت أن تكون مع موسى عليه السلام كليم الله وصاحب العزم، أين؟ في الجنة، في دار النعيم المقيم والسعادة الأبدية.
بمثل هذه الهموم تكون الهمم، وبمثل هذه الهمم تكون المعالي، وهل هناك أسمى وأغلى وأعلى من دخول الجنان والنظر إلى وجه الرحمن، والقرب من أصفيائه وأنبيائه؟
لذا يطالعنا رجاء بن حيوة بخبره الرقراق عن الخليفة المشتاق عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فيقول رجاء: (أمرني عمر بن عبد العزيز أن أشتري له ثوبًا بستة دراهم، فأتيته به فجسه وقال: هو على ما أحب لولا أن فيه لينًا، قال: فبكيت، قال: فما يبكيك قال: أتيتك وأنت أمير بثوب بستمائة درهم، فجسسته وقلت: هو على ما أحب لولا أن فيه خشونة، وأتيتك وأنت أمير المؤمنين بثوب بستة دراهم، فجسسته وقلت: هو على ما أحب لولا أن فيه لينًا.
فقال: يا رجاء إن لي نفسًا تواقة تاقت إلى فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها، وتاقت إلى الإمارة فوليتها، وتاقت إلى الخلافة فأدركتها، وقد تاقت إلى الجنة فأرجو أن أدركها إن شاء الله عز وجل) [وفيات الأعيان، ابن خلكان، (2/301)].
فهكذا تكون همة النفوس الشريفة، التي لا يقف همها عند أقدامها، وإنما تطير بها طيرانًا إلى ما ليس بعده مطلب.
وها هو ابن عباس يقول لتلميذه عطاء بن رباح: ألا أريك امرأة من أهل الجنة قال: بلى، قال هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني أصرع، وإنى أتكشف فادع الله لي، قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك)، فقالت: أصبر، فقالت: إنى أتكشف فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها) [متفق عليه، البخاري، (5652)، ومسلم، (6736)].
إنها امرأة سمت همتها وعظمت، فتجاوزت بها حدود ألم البلاء، مستقبل مشرق متيقن، فلم تقنع بالدون، ولم تؤثر خزفًا يفنى على ذهب يبقى.
إذا ما كنت في أمر مرومِ فلا تقنع بما دون النـجومِ
فطعم الموت في أمر حقيرٍ كطعم الموت في أمر عظيمِ
وها هو إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، يعبر عن قناعاته وعظم همته عندما قدم إليه رجل من خراسان يسأله: متى يجد العبد طعم الراحة؟ فأجاب ذو الهمة السامية التي لا تعرف الركون: (عند أول قدم يضعها في الجنة) [طبقات الحنابلة، ابن أبي يعلى، (1/115)].
إن همة هذه العجوز وغيرها من أصحاب الهمم التي ارتقت، واشتاقت نفوسها إلى الجنان، لهي النفوس التي تستخف بالمحن، وتستصغر المصائب، لأنها تتطلع إلى هناك، إلى الجنة، يذكرنا هذا بمشهد يخلب لب القلوب المشتاقة التواقة، مشهد امرأة فرعون آسية بنت مزاحم، رضي الله عنها، تلك المرأة التي صمدت في وجه الكفر وسامها زوجها الطاغية سوء العذاب، (فقال للملأ ما تعلمون من آسية بنت مزاحم؟ فأثنوا عليها، فقال لهم: إنها تعبد غيري؛ فقالوا له: اقتلها.
فأوتد لها أوتادًا فشد يديها ورجليها، فدعت آسية ربها، فقالت: {رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} [التحريم:11]، فوافق ذلك أن حضرها فرعون فضحكت حين رأت بيتها في الجنة، فقال فرعون: ألا تعجبون من جنونها، إنا نعذبها وهي تضحك، فقبض الله روحها، رضي الله عنها) [تفسير ابن كثير، (8/171)].
إن همة هذه العجوز وغيرها من أصحاب الهمم التي ارتقت، واشتاقت نفوسها إلى الجنان، لهي النفوس التي تتحرر من أسر حب الدنيا، لذا كانت هذه النفوس ترتعد لذكرها فرائص الجبابرة والأكاسرة والقياصرة، لأنهم أصحب هموم لا يعترضها معترض، همهم الفراديس (بذا كان سيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه يفخر على الأكاسرة وهو يدك عروشهم، ليحرر المستضعفين من البشر، ويهدي إليهم نعيم العيش في ظلال المنهج الرباني، فكان رضي الله عنه يتيه على قادة الفرس بقوله: (جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون شرب الخمر) [تاريخ الرسل والملوك، الطبري، (2/194)]) [لو أن له رجالًا، فريد مناع، ص(38)].
فاشحذي يا ابنة الإسلام همتك وحلقي بها في الآفاق البعيدة، واجعلي جنات عدن منتهى أملك، وذروة آمالك، فهي السعادة الأبدية والخلود السرمدي، والتقلب في صنوف النعيم.
فشمري عن ساعد الجد، وانهضي بعزم لا يلين، وسابقي الريح بالخيرات، واسلكي سبيل الطاعات، وترنمي بقلب يشتاق:
أن تدخلني رب الجــنة هذا أقصـــى ما أتمنى
وتهبني الدرجات العليـا يا ذا المــــنة يا رب
وإذا مت إلهي اغفـر لي واجعل لي نـورًا في قبري
واحشرني مع خير الرسل يا ذا المنــــة يا رب
المراجع:
· تفسير ابن كثير.
· وفيات الأعيان، ابن خلكان.
· طبقات الحنابلة، ابن أبي يعلى.
· لو أن له رجالًا، فريد مناع.
|