الثلاثاء 07 سبتمبر 2010 م -- 29 رمضان 1431 هـ من نحن وماذا نريد خدماتنا إصدراتنا إتصل بنا
الأخبار
العالم العربي والإسلامي
أفرقيا وأوربا
آسيا وأستراليا
الأمريكتان
تقارير عامة
مقالات وتحليلات
المسبار
صوتيات ومرئيات
مستشارك الخاص
جديد المستشار
العادات السبع للزهرات الأكثر فعالية

العادة السرية

الغدر بالصدر..لماذا؟!

سنة أولى مدرسة

فشل مبكر للقمة العربية

كيف يصل الطيبون إلى الطيبات؟

هدايا العيوب

هل أنت قوي

هل المحكمة الدستورية ضد الديمقراطية الحديثة في تركيا؟

وصاحبني الكلب!!

نحو أسرة سعيدة
الحياة الزوجية
أطفالنا أكبادنا
إلى الشباب
إلى ربات الخدور
نحو إدارة فعالة
إدارة الذات
إدارة المؤسسات
إدارة دعوية
2.5 مليون أحيوا ليلة 27 رمضان في الحرم المكي    *    صحيفة: بصمة إيران على المخطط الانقلابي بالبحرين    *    خلفان: تجسس أمريكا و"إسرائيل" وراء أزمة "بلاكبيري"   *    بلير يكشف عن رغبات تشيني الدفينة في مذكراته    *    العراق: إعلان أوباما سيلاحقه كسلفه صاحب "المهمة انتهت"   *   
  سبَّحَ الكون
  16 ذو الحجة 1430 1:هـ -- 03 ديسمبر, 2009م -- 01:32 م

سبَّحَ الكون

لقد حمل الإنسان أمانة القيام بالتكاليف الشرعية التي ذكرها القرآن الكريم: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72].

ولئن كان الإنسان قد حمل تلك الأمانة، إلا أنه ليس وحده على درب العبودية لله تعالى، فإن الكون كله يُسبح الله تعالى ويعبده عن غير تكليف وجزاء عدا كافر الإنس والجن.

إن هذه المعرفة بعبودية الكائنات لتؤنس العبد في قيامه بحق العبودية، حيث يوقن بأن هناك كائنات أخرى غيره تعبد الرحمن سبحانه وتعالى وتسبحه جل شأنه، فيُولِّد له ذلك أنسًا في سيره.

ومن ناحية أخرى، فإن المعرفة بعبودية تلك الكائنات تزيد من تعظيم الله في قلب العبد؛ حيث يرى أن هذا الكون الفسيح بكل ما يحويه من كائنات ونباتات وجمادات، إنما هي تتعبد لله خالقها وتسبحه.

كلمة ذات معنى:

قال الشيخ العلامة ابن العثيمين رحمه الله في معنى التسبيح: ((سبحان) اسم مصدر سبح، والمصدر تسبيح، وأصل هذه المادة يدل على البعد، ومنه السبح في الماء لأن السابح يذهب بعيدًا، والمراد بتسبيح الله عز وجل تنزيهه المتضمن لبعده عن كل نقص، والنقص إما أن يكون في أصل الصفة، وإما أن يكون بمقارنتها بغيرها.

ففي أصل الصفة نقول: هو حي، عليم، قاد، حكيم، عزيز، فكل صفاته ليس فيها نقص، فهو حي حياة لا نقص فيها، سميع سمعًا لا نقص فيه، عليم علمًا لا نقص فيه، فلا نقول مثلًا إن علمه عز وجل مسبوق بجهل، أو أنه يلحقه نسيان.

والنقص باعتبار مقارنتها بغيرها: بأن ننزهه عن مماثلة المخلوقين؛ لأن تمثيله بالمخلوقين يعتبر نقصًا، فلا نقول مثلًا إن وجه الله عز وجل كوجه المخلوق.

فصار ـ بذلك ـ النقص دائرًا بين شيئين:

الأول: نقص الصفة بذاتها فصفاته غير ناقصة.

والثاني: نقصها باعتبار مقارنتها بصفة المخلوق، فإنه لا مقارنة بين صفات الخالق وصفات المخلوق، فهو منزه عن النقص في صفاته، وعن النقص بمشابهته أو بمماثلته بالمخلوقين.

ونحن نقول في كل صلاة: (سبحان ربي الأعلى)، فهل نحن حينما نقول: (سبحان ربي الأعلى) نستحضر هذا المعنى أم نقول: (سبحان ربي الأعلى)؛ باعتبار أنه ذكر وثناء على الله؟

والجواب: أن الغالب على الناس عمومًا وخصوصًا إنهم إذا قالوا: (سبحان ربي الأعلى) لا يشعرون إلا بالثناء على الله والتنزيه المطلق، ولا يستحضرون معنى: اللهم إني أنزهك يا ربي عن مماثلة المخلوقين، وعن كل نقص في صفاتك، فلا يشعر القائل بهذا المعنى إلا قليلًا) [شرح العقيدة السفارينية، ابن عثيمين].

(وعن ابن عباس قال: سبحان الله، قال: تنزيه الله نفسه عن السوء؛ وقال عمر لعلي وأصحابه عنده: لا إله إلا الله، قد عرفناها فما سبحان الله؟ فقال له علي: كلمة أحبها الله لنفسه، ورضيها، وأحب أن تقال.

وسأل رجل ميمون بن مهران عن "سبحان الله"، فقال: اسم يعظم الله به، ويحاشي به من السوء) [تفسير ابن كثير، (1/225)، بتصرف واختصار].

تسبيح الكون:

قد أخبر الله سبحانه أن جميع ما في الكون يسبح بحمده جل وعلا: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44]، وفي ظلال هذه الآية العظيمة يقول ابن كثير رحمه الله: (تقدسه السموات السبع والأرض ومن فيهن، أي: من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه وتجِّلّه وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته:

فَفي كُلّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ            تَدُلُّ عَلى أنَّه واحد ...) [تفسير ابن كثير، (5/78)].

وقد ورد إلينا عبر نصوص الوحيين فيضًا من دلائل التسبيح لهذه الكائنات: فمنها قوله تعالى عن الملائكة: {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38]، فهم يدومون على طاعة الله وتسبيحه لا يصيبهم الملل والسأم.

وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن تسبيح ملك عظيم من حملة العرش فيقول: (أُذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، رجلاه في الأرض السفلى، وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام، يقول الملك: سبحانك حيث كنت) [رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني، في صحيح الجامع، (853)].

وقال تعالى عن تسبيح الرعد: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} [الرعد: 13]، وحول ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل ينشئ السحاب فينطق أحسن المنطق ويضحك أحسن الضحك) [رواه أحمد في المسند، وصححه الألباني، في صحيح الجامع، (1920)]، وقال ابن كثير: (والمراد ـ والله أعلم ـ أن نطقَها الرعدُ، وضحكها البرقُ، وقال موسى بن عبيدة، عن سعد بن إبراهيم قال: يبعث الله الغيث، فلا أحسن منه مضحكًا، ولا آنس منه منطقًا، فضحكه البرق، ومنطقه الرعد) [تفسير ابن كثير، (4/441)].

وأخبر الله تعالى في كتابه الكريم عن تسبيح الجبال والطير مع داود عليه السلام: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 79]، وقال في موضع آخر من كتابه الحكيم: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} [ص: 18].

قال ابن كثير: (أي: إنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار، كما قال تعالى: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ: 10]، وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه إذا مر به الطير وهو سابح في الهواء فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور لا تستطيع الذهاب بل تقف في الهواء وتسبح معه وتجيبه الجبال الشامخات ترجع معه وتسبح تبعًا له) [تفسير ابن كثير، (7/57)].

بل إن الصحابة رضوان الله عليهم قد سمعوا تسبيح الطعام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن علقمة عن عبد الله قال: (...فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل) [رواه البخاري، (3579)].

وقال ابن كثير: (وقال عكرمة في قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} قال: الأسطوانة تسبح، والشجرة تسبح، الأسطوانة: السارية.

وقال بعض السلف: إن صرير الباب تسبيحه، وخرير الماء تسبيحه، قال الله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}، وقال سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال: الطعام يسبح) [تفسير ابن كثير، (5/79)].

وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تسبيح ديك عجيب، هو خلق من خلق الله الذين لا نراهم، فقال: (إن الله جل ذكره أذن لي أن أحدث عن ديك، قد مرقت رجلاه الأرض، وعنقه منثن تحت العرش، وهو يقول: سبحانك، ما أعظم ربنا، فيرد عليه: ما يعلم ذلك من حلف بي كاذبًا) [رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني في صحيح الجامع، (1714)].

الشمس والبدر من أنوار حكمته            والبر والـبحر فيض من عطاياه 
الطير سبحه والوحش مجــده             والـموت كبره والحوت ناجاه
والنمل تحت الصخور الصم قدسه          والنحـل يهتف حمدًا في خلاياه

تسبيح النجاة:

يونس عليه السلام في بطن الحوت، يكابد ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، فما فما عساه أن يقول ذلك النبي الكبير في هذا الكرب العظيم، لقد نادى ربه في تلك الظلمات: {أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]، فاستجاب الله دعاءه، وفرج عنه كربته، وأرسله الله إلى مائة ألف يزيدون، فما الذي كان سببًا في نجاة يونس، يجيبنا القرآن: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143-144].

تسبيح يرزق به العباد:

لا ريب أنه لا وصية أبلغ وأنفع من وصايا الأنبياء المبلغين عن رب السموات والأرضين، ولقد كان وصية نوح لابنه وصية عظيمة، فكان مما أوصاه به، أن يقول سبحان الله وبحمده، وأخبره عن فضلها العظيم بقوله عليه السلام: (وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق) [رواه أحمد في المسند، (6583)، وصححه الألباني في الصحيحة، (134)].

وهي من جملة الأذكار التي هي بصفة عامة لها أثارها على زيادة الرزق.

تسبيح يبلغ الأماني:

من عجائب ما يروى في أثر الاستغفار: في عصر الشيخ أحمد بن حنبل، كان الشيخ أحمد مسافرًا فمر بمسجد يصلي فيه ولم يكن يعرف أحدًا في ذلك المنطقة وكان وقت النوم قد حان فافترش الشيخ أحمد مكانه في المسجد واستلقى فيه لينام وبعد لحظات إذا بحارس المسجد يطلب من الشيخ عدم النوم في المسجد ويطلب منه الخروج.

وكان هذا الحارس لا يعرف الشيخ أحمد، فقال الشيخ أحمد: لا أعرف لي مكان أنام فيه ولذلك أردت النوم هنا فرفض الحارس أن ينام الشيخ وبعد تجاذب أطراف الحديث قام الحارس بجر الشيخ أحمد إلى الخارج جرًا والشيخ متعجب، حتى وصل إلى خارج المسجد.

وعند وصولهم للخارج إذ بأحد الأشخاص يمر بهم والحارس يجر الشيخ فسأل ما بكم؟ فقال الشيخ: أحمد لا أجد مكانًا أنام فيه والحارس يرفض أن أنام في المسجد، فقال الرجل: تعال معي لبيتي لتنام هناك، فذهب الشيخ أحمد معه وهناك تفاجأ الشيخ بكثرة تسبيح هذا الرجل، وقد كان خبازًا وهو يعد العجين ويعمل في المنزل كان يكثر من الاستغفار فأحس الشيخ بأن أمر هذا الرجل عظيم من كثرة التسبيح.

فنام الشيخ وفي الصباح سأل الشيخ الخباز سؤالًا وقال له: هل رأيت أثر التسبيح عليك؟
فقال الخباز: نعم!

ووالله إن كل ما أدعو الله دعاءًا يستجاب لي، إلا دعاءًا واحدًا لم يستجب أبدًا حتى الآن، فقال الشيخ: وما ذاك الدعاء؟

فقال الخباز أن أرى الإمام أحمد بن حنبل.

فقال الشيخ: أنا الإمام أحمد بن حنبل فوالله إنني كنت أجر إليك جرًا، وها قد أستجيبت دعواتك كلها).

الباقيات الصالحات:

قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 46]، (قال عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: {الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

وهكذا سُئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه، عن: {الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} ما هي؟ فقال: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) [تفسير ابن كثير، (5/161)].

الخفيفتان الثقيلتان الحبيبتان:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن ، خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان فى الميزان سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم) [متفق عليه، رواه البخاري، (7563)، ومسلم، (7021)].

ألا يحب المرء بكلمتين خفيفتين أن يفعل ما يحب ربه جل وعلا فيثقل ميزانه في يوم تخف فيه موازين وثقل أخرى؟ سيكون العبد يوم القيامة في أشد الحاجة لأن يثقل ميزانه، فعليه تكون سعادته، وإن من الناس من يتسول الحسنات يوم القيامة ليثقل ميزانه، من أمه وأبيه وولده وصحبه، وكلهم شعاره نفسي نفسي.

تناغم مع الكون:

فإن كان التسبيح هو عبادة الكون، يشترك فيه الملائكة والوحش والطير والشجر والجماد، فأولى بالإنسان فأولى، أن يكون التسبيح شعاره في الحياة، يستحضر عندما ينطق بها، أنه أمام معبود منزه عن جميع النقائص والعيوب، فتكتمل في قلبه العظمة لله تعالى، فيشعر الإنسان أنه يتناغم مع هذا الكون المسبح بحمد الرحمن تبارك وتعالى، فلقد سَبَح الكون؛ فسَبِح.

     116
                                                                                                                             جميع الحقوق محفوظة لموقع المستشار © 1428 هـ