|
دبي.. هل أكثر من فقاعة هواء؟
|
|
20 ذو الحجة 1430 11:هـ --
07 ديسمبر, 2009م --
11:41 ص
|
|
|
|
|
|
|
|
سبب إعلان شركة دبي العالمية تأجيل سداد ديونها التي تقدر بنحو تسعين مليار دولار لنحو ستة أشهر, صدمة في الأوساط المالية والاقتصادية, التي لم تسترد عافيتها بعد في أعقاب موجة الإفلاس التي ضربت البنوك الأمريكية مخلفة من ورائها أزمة عالمية ما زال صداها يتردد حتى الآن.
والأزمة, كما نراها وكثير من المحللين الإقتصاديين, ليست وليدة اليوم, أو حتى الأمس القريب الذي يعود إلى أزمة العقارات وبنوك الائتمان الأمريكية, فإمارة دبي التي تحظى بحكم الذاتي ضمن دولة الإمارات المتحدة قررت أن تنتهج منذ البداية إستراتيجية تنموية اقتصادية طموحة تحولها من قرية صيد بسيطة إلى أحد أهم مراكز المال العالمية.
ولتحقيق هذا الهدف, لجأت دبي إلى اقتراض المال وبكميات هائلة, فشيدت الجزر الصناعية كجزيرة النخيل والمنتجعات الشاطئية البراقة وفنادق السبع نجوم بل ومترو أنفاق يستخدم أحدث نظام تشغيل في العالم.
ولم يكن ذلك ليتحقق لولا الاقتراض, حيث وصلت ديون حكومة دبي والشركات المملوكة لها كـ"مجموعة دبي العالمية" ـ حسب آخر الأرقام المعلن عنهاـتسعين مليار دولار أي حوالي 140% من الناتج المحلي الإجمالي للإمارة.
وقد رأى المستثمرون في هذا المناخ الاقتصادي المفتوح فرصة كبيرة لتحسين ظروفهم فتقاطروا إليها حيث غالبية عدد سكان الإمارة, ولم يعد سكان دبي الأصليون يمثلون سوى 10% من قاطنيها.
ولا شك أن تلك الإستراتيجية الطموحة, ظلت تحقق النجاح تلو النجاح إلى أن ضربت الأزمة المالية أسواق العالم, مؤذنة بانهيار أسعار العقارات ومزعزعة أركان وأسس النظام المالي العالمي ككل, ونتيجة لذلك لم يعد أحد يريد أن يقدم قروضا لدبي ربما لأن اقتصادها يعتمد بالأساس على العقارات.
ووجدت الإمارة نفسها عاجزة عن سداد ديونها في موعدها، محدثة هزة قوية في أسواق المال العالمي الهشة أصلا والتي لا تزال في بداية تعافيها من أزمة مالية كادت تؤدي إلى انهيارها.
واختارت الشركة العالمية يوم عرفة وقبيل عطلة الأعياد موعدا للإعلان الصادم بطلب تأجيل ديونها إلى عدة أشهر, لتلافي حدوث موجات ارتدادية مالية واقتصادية عنيفة, وتعلقت الآمال على حكومة الإمارة المالكة للشركة لإنقاذ الوضع, ولكن جاءت الصدمة التالية حينما أعلن المدير العام للدائرة المالية في حكومة إمارة دبي عبد الرحمن الصالح أن حكومته لن تضمن ديون مجموعة دبي العالمية وأن الدائنين سيتأثرون على المدى القصير جراء إعادة هيكلة المجموعة, نافيا أن تكون المجموعة جزءا من الحكومة كما اعتبر الدائنون.
وقال في تصريح لتلفزيون دبي التلفزيون الرسمي للإمارة, أنه ينبغي للدائنين المشاركة في تحمل مسؤولية قراراتهم بإقراض الشركات, وطالب الصالح بعدم الخلط بين مجموعة دبي العالمية وبين إمارة دبي.
أما السلطات الاتحادية بدولة الإمارات العربية المتحدة فقد سارعت لدعم مصارفها ومباشرتها إجراءات أخرى لتجنب هروب محتمل لرؤوس الأموال من الدولة.
وقد توجهت الأنظار نحو أبو ظبي لإنقاذ الموقف، بعد توقف السلطات الاتحادية عند هذا الحد من الدعم المالي والاقتصادي, حيث يتوقع أن تطلب أبو ظبي ثمنا باهظا للمد المالي الذي قد تدعم بها جارتها دبي, مثل السيطرة على شركة طيران الإمارات أو شركة موانئ دبي العالمية, وقد تعمد إلى دفع دبي إلى أقصى قدر ممكن من الاندماج السياسي لتقوية الاتحاد كمقابل سياسي لإنقاذها اقتصاديا, وهي القادر على ذلك باعتبارها الأقوى اقتصاديا.
أما عن التداعيات المحتملة, لهذه الأزمة, فقد ذكرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إن النتيجة المترتبة على قرار دبي بالسعي لتجميد مديونيتها ستتمثل في تقويض قدرتها على جمع التمويل عبر الأسواق المالية, ونقلت عن محللين قولهم إن دبي ستواجه في هذا المناخ صعوبة كبيرة في إصدار سندات والحصول على قروض بسبب ما لحق بمصداقيتها من ضرر.. وهذا يعني، حسب المحللين، أن قدرة دبي على إعادة تمويل ديونها، ستتعثر بشكل كبير.
ولاشك أن تأثير الأزمة سينعكس كذلك, على الكثيرين في دبي, وستؤدى الأزمة إلى تكبد المستثمرين في القطاع العقاري فيها خسائر فادحة بسبب تراجع أسعار العقارات هناك بشدة, كما سيخسر المزيد من الموظفين وظائفهم في الإمارة إضافة آلاف العمال وخاصة من الآسيويين الذين سيزداد عددهم مع توقف العمل في مزيد من المشاريع.
ومع تعاظم المخاطر والتداعيات سيبقى الخروج من الأزمة يراود الشركة العالمية التي أخضعت القيمة الإجمالية لديونها وديون الشركات التي تخضع لعملية إعادة هيكلة تبلغ نحو 26 مليار دولار من خمس مراحل.
أما عن التداعيات على المستوى الإقليمي, فإن الأكثر تضررا من تطورات أزمة دبي هي الاقتصادات غير النفطية والتي اعتمدت في السنوات الأخيرة على تدفق استثماري خليجي، أكثره عبر دبي, مثل المغرب وتونس ومصر والأردن وربما لبنان وسوريا أيضا.
ويمكن الإشارة, في هذا الصدد, إلى استثمارات بالمليارات لشركتين فقط من دبي في القطاع العقاري المصري هما اعمار وداماك, حيث تأثرت تلك الاستثمارات سلبا بالفعل منذ بداية الأزمة، وتبدو الآن مهددة تماما بالاختفاء.
كذلك شكلت استثمارات الصناديق التي تتخذ من دبي مقرا لها قدرا معقولا من تعاملات البورصة المصرية وهذا ما جعلها أكثر البورصات تأثرا بأحداث دبي, أما بورصة عمان في الأردن، فاغلب الاستثمارات الخارجية فيها خليجية، وهي الآن مهددة بالانسحاب من السوق, أما المشروعات العقارية والسياحية، الممولة باستثمارات مصدرها دبي، في تونس والمغرب فمصيرها الآن محل جدل كبير.
ولا يقتصر الأمر على الاستثمارات، بل كذلك على العمالة من تلك البلدان غير النفطية في الخليج, خاصة من يعملون في مجالات مرتبطة بالاستثمار والنشاط المالي والخدمات المعاونة له.
أما عن اقتصاديات الخليج النفطية فقد يصعب على أي مراقب تحديد حجم الإنقاذ الحكومي في دول الخليج أو مدى تأثيره، فاغلبه من الأسر الحاكمة لشركات عائلية أو مستثمرين أفراد مرتبطين بالسلطات, وإذا كان ذلك يطمئن المستثمرين الأجانب والشركات الحاصلة على العقود بان أرباحهم مضمونة، فان أحداث دبي تعد مؤشرا على أن هذا الاطمئنان ليس مضمونا الآن.
وسيكون مفيدا أن تؤدي أزمة دبي إلى انكشاف الكثير من المخاطر التي انطوت عليها أعمال مالية واستثمارية في بقية دول الخليج، فذلك بداية العلاج إذا أرادت تلك الاقتصادات تنقية التشوهات فيها.
وعن تداعيات الأزمة على الصعيد العالمي, فإن إعلان دبي سيمثل عاملا محفزا لإزالة الفقاعات من الأسواق المالية العالمية المكلفة, وسيكون ما وقع بدبي عبرة لأولئك الذين أحسوا بالنشوة والارتياح للارتفاع الذي شهدته الأسواق المالية الأشهر القليلة الماضية, وإشارة إلى أن مضاعفات الأزمة المالية لم تختف بعد.
أما عما ستؤول إليه الأمور، فثمة توقع أولا أن تستمر أزمة دبي فترة من الوقت, وثانيا أن تزيد قدرة الأسواق على التمييز بين الغث والسمين اعتمادا على الحقائق المالية والاقتصادية, بحيث تنهض الأسواق القوية وتتعرض أسواق أخرى بدول تعاني عجزا ماليا كبيرا وديونا ضخمة شرق ووسط وجنوب أوروبا لضغط أكبر.
وأخيرا نقول أن ما أعلنت عنه دبي من عجز هو في واقع أمره تذكرة قوية بأن الهزات الارتدادية لأزمة الائتمان التي شهدها العالم خلال العامين الماضيين لم تنته بعد وأن الاقتصاد العالمي ومنها اقتصاد دبي ليس أكثر من فقاعة هواء كبيرة الحجم تحتاج لعلاجات جذرية.
مفكرة الإسلام
|
|
|
|
|
|
|
|
|