أسعد فوز المنتخب المصري بكأس الأمم الإفريقية للمرة الثالثة على التوالي ـ والسابعة على مدار تاريخه الكروي ـ الشعب المصري وشعوب دول عربية أخرى، شاركت القاهرة فرحتها بهذا الإنجاز التاريخي غير المسبوق في مجاله.
ورفع هذا النصر المستحق للمنتخب الكروي المصري الغطاء عن حقائق ودلالات اجتماعية بالغة الأهمية، وعلى أكثر من صعيد.
وفي مقدمة هذه الحقائق والدلالات، ومن أهمها؛ أنه كشف عن حاجة وتشوف الشعوب العربية قاطبة لنصر تلتف حوله، ويشبع رغباتها ويخرجها من انكسار الإرادة وهزيمة النفس التي تعانيها.
فخروج الملايين من المواطنين المصريين إلى الشوارع احتفالًا بهذا الإنجاز، تؤازرها في ذلك شعوب عربية أخرى شقيقة؛ يدل على أن هذا التطلع لعقيدة النصر أصبح ملحًّا، يطرق القلوب ويستهوي الأفئدة، ويبحث عن أي إنجاز لإظهار مشاعره المكبوتة والتعبير عنها بالصورة التي يرتضيها لنفسه.
وحقيقة لا تخطئها العين أن الشعوب العربية ربما تخالف ـ في هذا الصدد ـ بعض الأنظمة التي تشعَّب بينها الخلاف السياسي وامتدت مظاهره، حيث تعدت هذه الشعوب الحدود القُطرية الضيقة، واجتازت عقبة الحسابات السياسية المعقدة، وحسبت أن إنجازًا مصريًّا في كرة القدم هو إنجازها فعلًا، والنصر الذي تحقق لمصر هو أيضًا نصرها الذي يستحق أن تفرح له وتبتهج.
وقد تأخذ مظاهر التعبير عن الفرح بالإنجاز الكروي أنماطًا متعددة، وأشكالًا متباينة نتفق أو نختلف معها ولكنها بذاتها تدل على حاجة هذه الشعوب إلى الشعور بالانتماء الحقيقي، وأنها راغبة في البذل من الوقت والجهد متى وجدت ما يستحق عندها وبمقاييسها هذا البذل والعطاء، والذي قد لا تنتظر أي مقابل مادي له، بل على العكس؛ نجدها منفقة من أموالها على شراء الرايات والأعلام في تأكيد على صدق انتمائها وحرارته التي لا تنطفئ.
ومن هنا؛ نجد ضرورة ملحَّة لاحتواء هذه المشاعر الجارفة، وتسخيرها في قنوات مؤهلة تعود بالنفع على الوطن، وتسهم إسهامًا حقيقيًّا في تنميته في شتى المجالات، بدلًا من تسربها وتصريفها في مجال واحد يضيق بها، ولا يحسن استغلالها.
والدلالة الثانية، تكمن في "سر الإعجاز" المصري الذي تحقق في كرة القدم، وربما لم تصادف مجالات أخرى مثل هذا النصر والإعجاز أو تقاربه، ليس في مصر فقط، ولكن في العالم العربي كله، فجاءت هذه الدورة الرياضية لتضع بين أيدينا شفرة الحل.
فقد استطاع قائد المنتخب بداية أن يضع معايير واضحة لاختيار من يمثِّل اسم مصر، وهما شرطان لا يغيبان عمن يريد النجاح في مؤسسته وإداراته ودولته: الإتقان والحرفية والمهنية، إلى جانب الالتزام الأخلاقي والديني والمجتمعي.
فلا سبيل للنجاح بفريق غير مؤهَّل علميًّا ومهنيًّا، حتى وإن كان غاية في الالتزام الخُلقي الرفيع، فلن يغني هذا عن ذاك، كما أن طريق النجاح يمر عبر بوابة الالتزام الأخلاقي ومراعاة الأعراف المجتمعية، والتي إن فُقدت كان تأثيرها حاضرًا في الواقع في صورة هزائم وتراجعات وانتكاسات متوالية.
وإضافة إلى هذه المعايير الواضحة والدقيقة في عملية اختيار عناصر الفريق، والتي تتسم بشفافية مطمئنة للجميع، نرى حسن الإدارة والتخطيط يأتي ليكمل المنظومة الثلاثية للنجاح؛ فقائد الفريق ـ مع ما يتسم به من حزم وحسن تخطيط ـ قريب من أعضاء الفريق، يتعامل بأبوية تحفِّز الفريق للنجاح، حريص على تدعيم فريقه بعناصر يرى فيها الإخلاص والجدية والرغبة في تحقيق النجاح، ولا يغتر أو يضعف أمام أسماء كبيرة فقدت رغبتها في النصر الذي يشتاق له المجموع.
كما أن هذه القيادة ـ حقيقة ـ لم تسلب أعضاء الفريق حقهم في الفوز، ولم تحتكره لذاتها، بل كثيرًا ما كان ثناؤها عليهم مشجعًا وحافزًا للنجاح؛ لأن كل عضو بالفريق يشعر أنه يحقق نصرًا للجميع ولذاته، ولا يصنع نصرًا يُخطف منه في غفلة، ويُكافأ عليه غيره.
والدلالة الثالثة، هي أننا قادرون بغير الخبرات الأجنبية، أن نصنع بأنفسنا وبقدراتنا نصرًا مشرفًا، وهو ما يعطي درسًا بالغ الأهمية لكافة القطاعات والمؤسسات، بحسن الاعتماد على الكفاءات الوطنية المخلصة الراغبة في النجاح، والتي تملك من الخبرات والإرادة الصادقة ما يدفعها إلى مواصلة عملها في دأب حتى يتكلل مجهودها بالنصر.
إن من شباب هذه الأمة من يملك الإرادة الفولاذية، ومن شيوخها من يقتني الخبرات العالية، وإذا ما التقت هذه الإرادات مع تلك الخبرات وتوافر لها الجو الصحي الحافز؛ فإن النصر لاشك سيكون حليفها، ليس في مجال الرياضة فقط، ولكن في كافة المجالات الحيوية الأخرى التي تهم الأمة.
هذه المعالم نراها ملهِمة ومرشدة لمن يبحث عن "روشتة نجاح" واقعية، في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية وغيرها، ولمن يبغي صناعة النصر الذي تحتاجه الأمة وتشرئب أعناق الرجال لمطالعته.
عصام زيدان
|