الخميس 09 سبتمبر 2010 م -- 01 شوال 1431 هـ من نحن وماذا نريد خدماتنا إصدراتنا إتصل بنا
الأخبار
العالم العربي والإسلامي
أفرقيا وأوربا
آسيا وأستراليا
الأمريكتان
تقارير عامة
مقالات وتحليلات
المسبار
صوتيات ومرئيات
مستشارك الخاص
جديد المستشار
العادات السبع للزهرات الأكثر فعالية

العادة السرية

الغدر بالصدر..لماذا؟!

سنة أولى مدرسة

فشل مبكر للقمة العربية

كيف يصل الطيبون إلى الطيبات؟

هدايا العيوب

هل أنت قوي

هل المحكمة الدستورية ضد الديمقراطية الحديثة في تركيا؟

وصاحبني الكلب!!

نحو أسرة سعيدة
الحياة الزوجية
أطفالنا أكبادنا
إلى الشباب
إلى ربات الخدور
نحو إدارة فعالة
إدارة الذات
إدارة المؤسسات
إدارة دعوية
عجز الموازنة يتصاعد ليهوي بمكانة أمريكا    *    أوباما اتخذ قرارات سرية حساسة ضد أفغانستان وباكستان    *    2.5 مليون أحيوا ليلة 27 رمضان في الحرم المكي    *    صحيفة: بصمة إيران على المخطط الانقلابي بالبحرين    *    خلفان: تجسس أمريكا و"إسرائيل" وراء أزمة "بلاكبيري"   *   
  أبطال من الأناضول
  24 ربيع الاول 1431 1هـ -- 09 مارس, 2010م -- 11:07 ص

أبطال من الأناضول

المنادي يرسل تكبيرات الفجر يشق بها سكون الليل، جموع مؤمنة تهرع إلى الطهور بين أصوات الاستغفار والتسبيح، قد تجمعت لتنسج ذلك الصدى العذب فتسكب السكينة على الجند الميامين.

يتقدم سلطان المسلمين يؤم جنده الذين تراصت أقدامهم وتلاحمت أكتافهم يعلوهم بهاء الخشوع، وتنطلق الدعوات في السجود بالنصر المؤزر.

لقد كان فتح القسطنطينية حلمًا يداعب أجفان قادة المسلمين وجنودهم على مر القرون، من عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى زمن السلطان محمد بن مراد الثاني، أو محمد الفاتح كما لقب بعد ذلك، والذي لم يكن سوى إمام المصلين.

ولكن قبل تلك الصلاة المشهودة، كانت معارك ضارية دارت رحاها على أبواب القسطنطينية، خاضها جند محمد الفاتح، استبسلوا على مدى شهور، وأحدثت مدافعهم ثغرات في أسوار القسطنطينية، ولكن...

لم يتمكن جند الإسلام من الدخول إليها نظرًا لقوة التحصينات الدفاعية، واستخدامهم طريقة بشعة في صد الهجوم، تتمثل في سكب الزيت المغلي على الفاتحين.

لقد خرج في ذلك الجيش إلى القسطنطينية رجال ذوو قلوب ونفوس تواقة إلى إحدى الحسنيين، وعيون تتلهف إلى أن ترى راية الإسلام عالية خفاقة فوق أسوار القسطنطينية.

ومن بين تلك الجموع المؤمنة كانت مجموعة من شباب الأناضول، من قرية تابعة لها يقال لها "أولو باد"، شباب في عمر الزهور، لكن يحملون بين جنباتهم همم كالجبال، أرادوا أن ينالوا الشرف العظيم بتحقيق البشارة النبوية بفتح القسطنطينية.

جلست تلك المجموعة الأناضولية تتجاذب أطراف الحديث حول الموقف الصعب في القسطنطينية وحصارها الذي طال مداه:

(قال أحدهم: قاتل الله هؤلاء البيزنطيين، لقد أحكموا تحصين أسوار القسطنطينية فصمدت أمامنا أشهرًا طويلة.

وقال آخر: أشد ما يؤلمني أننا لم نستطع طوال الأشهر أن نجد طريقة ندخل بها إلى داخل المدينة رغم كثرة الثغرات التي أحدثتها مدافعنا في أسوارها.

قال ثالث: لولا هذا الزيت المغلي لكنا دخلناها منذ زمن بعيد، قاتلهم الله، إن هذا الزيت المغلي من أفتك أسلحتهم، إنه لا يصيب أحدًا إلا ويكون الهلاك المحقق مصيره.

هنالك ارتفع صوت كله عنفوان وعزم، يقول: الهلاك المحقق؟! وهل جئنا إلى هنا إلا لنهلك في سبيل الله عز وجل؟

وتلفت القوم نحو قائل هذه العبارات، فإذا هو الجندي المجاهد حسن، شاب في مقتبل العمر، وانطلقت الكلمات من قلب حسن ينطق بها لسانه:

يا إخوتي كيف نخاف من زيت الكافرين المغلي إذا كنا مجاهدين حقًا؟ وهل تركنا قريتنا وأهلنا وأحبابنا إلا لأجل لقاء ربنا عز وجل شهداء في سبيله؟

وأقبل جند الإسلام على الفتى المؤمن، يبايعونه على أن يكونوا أول من يجيب نداء قائدهم المجاهد في الغد، وتواعدوا أن يكون هدفهم الثغرة التي أحدثتها مدافع الإسلام قريبًا من باب الجهة الشمالية للقسطنطينية) [مواقف بطولة من صنع الإسلام، زياد أبو غنيمة، ص(21-22)].

وقضت الجموع المؤمنة ليلتها تلك في تضرع وسجود وركوع وتلاوة لآيات القرآن، الأمل قد انساب في أوصالهم، والرجاء يكتنف قلوبهم، حتى حانت تلك الصلاة المشهودة عند بزوغ الفجر، فما إن قضيت الصلاة حتى اعتلى السلطان الفاتح صهوة جواده، وإلى جواره العالم المجاهد آق شمس الدين ينفخ في عزائم الجند، ويستفز كل ذرة في كيانهم لنصرة دين الله.

فما زادت الكلمات أولئك الشباب من الأناضول إلا توهجًا وحرارة إيمانية، اندفعوا على أثرها إلى أسوار القسطنطينية خلف إمامهم، ينشدون إحدى الحسنين، وقد انعقدت آمالهم وتوحدت وجهاتهم نحو هدف محدد: الولوج من ثغرة بعينها إلى القسطنطينة لفتح أبوابها لجند الإيمان، مهما كانت النتائج والعواقف، فليسكبوا عليهم إذًا زيتهم المغلي، فليرشقوا سهامهم في الصدور، فليعملوا السيف في الأجساد، فلن يفت الوجل في عضد النفوس المؤمنة التي حملت هم الإسلام بين جنباتها، إنهم من هم، إنهم أبطال من الأناضول.

ومع بزوغ الشمس بدأت الجنة تستقبل وفود الشهداء، تستقبلهم واحدًا تلو الآخر، ولكن إخوانهم لم تنثن عزائمهم، واستمروا في ساحة الوغى يناضلون، وكلمات العالم الجليل آق شمس الدين تحملهم على جناح الشوق إلى لقاء الله أو النصر المؤزر.

وفي هذه الأثناء، كان حسن ورفاقه من أبناء الأناضول يتقدمون بخفة وحذر وحزم إلى الثغرة التي حددوها مسبقًا، فقصدوها رغم سيل السهام المنهمرة عليهم، فما إن بلغوها حتى دخلوا عبرها إلى داخل القسطنطينية مكبرين مهللين.

وبرغم تلك السهام المنهمرة، وبرغم تلك الرماح الفتاكة، وبرغم ذلك الزيت المسكوب، لم يبال أبطال الأناضول بكل ذلك، وقاتلوا ببسالة تليق بتلك العقيدة التي تسري في دمائهم الزكية، فتمكنوا بفضل الله من الوصول إلى أحد أبواب القسطنطينية، وفتحوا الطريق لتعبر كتائب الإيمان.

واندفعت الجموع المسلمة تضع معالم ذلك النصر العظيم، وترفع راية التوحيد على أسوار القسطنطينية، وتحقق حلم المسلمين عبر القرون.

وبينما كانت راية الإسلام ترفرف على الأسوار، كان أبطال الأناضول قد صعدت أرواحهم إلى بارئها، بعد أن نالت ما تمنت، وسطرت مجدًا خالدًا يظل صفحة مضيئة في كتاب التاريخ.

إن هؤلاء الفتية الميامين من الأناضول، لم يكونوا قادة معروفين يشار إليهم بالبنان، ولكنهم في قرارة أنفسهم يحملون هم أمة، قاموا بذلك العمل البطولي دون تكليف، ودون توجيه، طالما كان جزءًا من صميم عملهم القتالي لا يتعارض مع خطة قائدهم.

ولم يكن حلم هؤلاء مجرد أمنية يقبعون في إطارها النظري، ولكنهم حولوها إلى واقع وترجموها إلى حقيقة، بذلوا من أجلها المهج والأرواح رخيصة، ليسجل التاريخ أن أقدام أولئك الأبطال من الأناضول هي أول أقدام تترك أثرها على أرض القسطنطينية.

فحيا الله أبطال الأناضول الذين لم يعرفهم الكثيرون من المسلمين، ولكن حسبهم كما أصَّل الفاروق من قبل بكلماته: حسبهم أن الله يعرفهم.

     77
                                                                                                                             جميع الحقوق محفوظة لموقع المستشار © 1428 هـ