الجمعة 10 سبتمبر 2010 م -- 02 شوال 1431 هـ من نحن وماذا نريد خدماتنا إصدراتنا إتصل بنا
الأخبار
العالم العربي والإسلامي
أفرقيا وأوربا
آسيا وأستراليا
الأمريكتان
تقارير عامة
مقالات وتحليلات
المسبار
صوتيات ومرئيات
مستشارك الخاص
جديد المستشار
العادات السبع للزهرات الأكثر فعالية

العادة السرية

الغدر بالصدر..لماذا؟!

سنة أولى مدرسة

فشل مبكر للقمة العربية

كيف يصل الطيبون إلى الطيبات؟

هدايا العيوب

هل أنت قوي

هل المحكمة الدستورية ضد الديمقراطية الحديثة في تركيا؟

وصاحبني الكلب!!

نحو أسرة سعيدة
الحياة الزوجية
أطفالنا أكبادنا
إلى الشباب
إلى ربات الخدور
نحو إدارة فعالة
إدارة الذات
إدارة المؤسسات
إدارة دعوية
عجز الموازنة يتصاعد ليهوي بمكانة أمريكا    *    أوباما اتخذ قرارات سرية حساسة ضد أفغانستان وباكستان    *    2.5 مليون أحيوا ليلة 27 رمضان في الحرم المكي    *    صحيفة: بصمة إيران على المخطط الانقلابي بالبحرين    *    خلفان: تجسس أمريكا و"إسرائيل" وراء أزمة "بلاكبيري"   *   
  حقوق المرأة السياسية ... حدود الدور وضوابطه
  26 ربيع الاول 1431 هـ -- 11 مارس, 2010م -- 03:24 م

حقوق المرأة السياسية ... حدود الدور وضوابطه

عصام زيدان

من أكثر الحقول المتعلقة بالمرأة حساسية وجدلًا ما يتعلق بمشاركتها وحقوقها السياسية, وحدود هذا الدور وضوابطه الشرعية, حيث تجاذب الأمة في هذه القضية فريقان:

الأول: أباح للمرأة كافة المناشط السياسية, ولم يراعي الضوابط الشرعية وكينونة المرأة وخصوصيتها.

والثاني: وقف على النقيض من ذلك؛ فسدَّ الباب مطلقًا لأية مشاركة للمرأة في الحقل السياسي, تحت دعاوى ومبررات شتى.

ولأن الحق دائمًا وسط بين طرفي الإفراط والتفريط، فنحاول في هذا المقام أن نفض هذا الاشتباك من خلال عرض الأدلة على مشروعية مشاركة المرأة في المناشط السياسية، مع مراعاة الحدود والضوابط الشرعية، التي تحددها أدلة الكتاب والسُنة، وما للمرأة من طبيعة خاصة بها، ثم نفند الشبهات التي تدور حول مشاركة المرأة في النشاط السياسي, ونختم بالشروط الواجب توافرها في هذا المجال, على أننا نعتبر ما نسوقه هنا من باب الاجتهاد, ولا نحتكر الصواب في هذه المسألة الشائكة.

مشروعية مشاركة المرأة في العمل السياسي:

نحاول في هذا المقام أن نعود إلى أصول الشريعة؛ لنتعرف على حدود الدور الذي يمكن أن تقوم به المرأة في المجال السياسي.

بداية؛ نقول أن تعريف السياسة في الشريعة يقف على النقيض من تعريفها عند الغربيين ومن حذا حذوهم من العلمانيين, فقد عرَّفها ابن عقيل الفقيه الحنبلي الكبير بأنها: (ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح, وأبعد عن الفساد, وإن لم يشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي) [إعلام الموقعين، ابن القيم، (4/372)].

فهذا التعريف الذي يكاد يتفق عليه فقهاء الإسلام, مع اختلاف الألفاظ المستخدمة, يدل على أن السياسة لها هدف رئيس في الشريعة, يتمثل في صلاح الأمة وإبعاد الفساد عنها, وهو ما يتناقض مع التعريف الغربي.

ولكي ندرك مثلًا معنى السياسة في اللغة الإنجليزية, نذكر معنى كلمة سياسي politic, فهي تعني عندهم: الماكر والمخادع والفطن, ومجمل التعريفات للسياسة والسياسي عند الغربيين تعتمد على القدرة على الوصول إلى المطلوب بطرق الخداع والمكر.

ومن هنا؛ نقول أن السياسة كما تريدها الشريعة ذات مجالات متعددة ومتنوعة، تنبثق كلها من أصل عام هو دفع الفساد والضرر وجلب المصلحة, ولاشك أن هذا الأصل تشترك فيه المرأة مع الرجل, كونها مكلَّفة بصورة متساوية مع الرجل في حمل أمانة دفع الضرر عن الأمة وجلب المصلحة لها؛ لقول النبي صلى الله عليه سلم: (إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ) [رواه أبو داود، (236)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (234)]، قال الخطابي: (وفيه من الفقه إثبات القياس وإلحاق حكم النظير بالنظير، فإن الخطاب إذا ورد بلفظ المذكر كان خطابًا للنساء إلا مواضع الخصوص التي قامت أدلة التخصيص فيها) [عون المعبود، شمس الحق آبادي، (1/275)].

فالأصل أن جميع الأحكام الشرعية التي تناط بالرجال تناط بالنساء كذلك، إلا ما دل الدليل على اختصاصها بأحد النوعين دون الآخر.

ومع تطور الأوضاع الاجتماعية والسياسية في الوقت الحالي اقتضى العصر الحديث ضرورة وجود أوعية وقنوات يتم من خلالها ممارسة العمل السياسي, الذي يجلب المصلحة, ويدفع المفسدة؛ مثل: المجالس النيابية والشورية والتنفيذية ومؤسسات الدولة العليا, كهيئة الرئاسة أو الملك, على اختلاف النظم السياسية بين الدول.

ووجود مثل هذه القنوات لا يدحض الأصل العام السابق الإشارة إليه من كون المرأة شريكة الرجل في أمانة التكليف والحرص على مصلحة الأمة؛ كما قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: 71].

ومن ثَم؛ يصح ـ برأينا ـ أن تشارك المرأة في مثل هذه المجالس النيابية والشورية, سواء أكانت مشاركتها باختيار الأصلح لتولي المنصب وحيازة عضوية هذه المجالس، أو المشاركة فيها كنائبة وعضو فاعل.

وفي مجال مشاركتها كعضو في هذه المجالس فإنها تقوم بأمرين لا تحظرهما الشريعة الإسلامية؛ أولهما: التشريع للأمة ورعاية شئونها وفق الضوابط الشرعية, ولا يوجد في الشرع ما يمنع المرأة من ممارسة هذه الوظيفة، ويقصرها على رجال الأمة فقط دون نسائها.

بل عند تتبع مسيرة التشريع الإسلامي؛ سنجد أن للمرأة نصيبًا لا يمكن إغفاله حتى في مجال التشريع الديني، الذي هو بمعنى الفتوى والإعانة عليها, فقد أخذ الصحابة ومن بعدهم من عائشة زوج النبي رضي الله عنها روايات متعددة أثرت تأثيرًا هامًّا في مجال الفتوى.

ولاشك أننا هنا نتحدث في مجال أقل من هذا؛ وهو المشاركة بالرأي والنصح في أمور العامة، وقد يكون حظ بعض النساء فيها من العلم أكبر من حظ الرجال.

وها هي أم المؤمنين عائشة تذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، فتخرج من بيتها، بل من المدينة المنورة، على رأس الجيش المتوجه نحو البصرة، وفيه من فيه من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، بل من العشرة المبشرين بالجنة، وممن رشحهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه للخلافة، وهما طلحة والزبير رضي الله عنهما، فتذهب في هذه الظروف لتطالب بما تعتقد أنه حق وصواب، من المبادرة بالقصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه، وما يُقال من أنها ندمت على هذا الخروج؛ فهذا ليس لأن خروجها كان غير مشروع، بل لأن رأيها في السياسة كان مخطئًا، وهذا أمر آخر.

أما الوظيفة الثانية فهي مراقبة السلطة التنفيذية, وهي وظيفة لا تخلو من أمر بمعروف ونهي عن منكر, وليس هناك ما يمنع المرأة من القيام بهذا الدور, حيث شاهدنا كثيرًا من الوقائع في عهد الخلفاء تشهد على قيام المرأة بهذا الدور.

أما عن انتخاب المرأة من يمثِّلها في هذه المجالس؛ فهو يقع في دائرة العاديات التي تبقى على أصل الإباحة؛ إذ لم يرد من نصوص الشرع الحنيف ما يحظرها, على حد ما نعلم.

كما أن انتخاب المرأة لغيرها لا يخرج أيضًا عن كونه إما توكيلًا للغير، وإما شهادة للغير بأنه قادر على القيام بوظيفة النائب والمدافع عن مصالح الأمة, وهما يصحان من المرأة؛ لأنها تتمتع بكامل الأهلية الشرعية التي تمكِّنها من توكيل غيرها، كما أن نصوص القرآن تدل على قبول شهادتها.

وكما يحق للمرأة أن تختار من ينوب عنها في المجالس النيابية وغيرها أو المشاركة فيها, فلها كذلك المشاركة في اختيار من يقوم بمهمة الرئاسة العليا للبلاد, إذا ما كانت أنظمة البلاد تسمح بهذا الاختيار عن طريق الاقتراع والانتخابات التي يشارك فيها جميع مواطني الدولة.

عدم جواز تولي المرأة لمنصب الولاية العامة:

 وإن كان هنا يحظر على المرأة الترشح أو المنافسة على منصب الرئاسة العليا للبلاد؛ لوجود الأدلة الصريحة المانعة لذلك, وفي مقدمتها ما جاء في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن فارسًا ملَّكوا ابنة كسرى؛ قال: (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً) [رواه البخاري، (4425)], وقد حُكي الإجماع على عدم جواز تولية المرأة الإمامة العامة ابن حزم الظاهري [كما في الملل والنحل، (4/110)], حيث قال: (وجميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة امرأة) [الفِصَل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، (4/89)], وكذلك القرطبي في أحكام القرآن (1/271).

فمحظور على المرأة شرعًا, تولي منصب الولاية العامة, لوجود النصوص الدالة على ذلك, ولثبوت إجماع الأمة عليه.

وبالجملة؛ نقول أن مجال مشاركة المرأة في العمل السياسي, ليس مقتصرًا على ما ذكرنا من أمثلة ونماذج, ولكن يجوز لها المشاركة في كافة المناشط السياسية, التي لا تحظرها الشريعة بنص واضح استنادًا إلى القاعدة الأصولية: "الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم" [انظر: المنثور في القواعد، عبد الله بن بهادر الزركشي، (1/120)، الأشباه والنظائر، السيوطي، (1/107)].

شبهات حول مشاركة المرأة في الأنشطة السياسية:

استشهد الفريق المانع لمشاركة المرأة في العمل السياسي مطلقًا بعدة أدلة على هذا الحظر؛ ومن هذه الأدلة:

1-      قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب: 33]، فلا يجوز للمرأة أن تدع بيتها إلا لضرورة أو حاجة, وليس العمل في المجال السياسي من قبيل ذلك.

ولا يجادل أحد أن أسمى مكان لرسالة المرأة هو بيتها الذي يعد مملكتها الخاصة، فترعى فيه زوجها، وتربي أولادها، وتقوم بمهمة إعداد الأجيال وتربية الرجال الذين يحملون عبء نهضة أمتهم وبلادهم.

لكن هذه الآية لا تنهض دليلًا على منع مشاركة المرأة في العمل العام؛ وذلك لأنها لم تمنع من جواز خروج المرأة لأداء مصالحها الدينية والدنيوية، وقال ابن كثير رحمه الله: ({وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}؛ أي: الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة، ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلاَتٌ) [رواه أبو داود، (565)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (565)]، وفي رواية: (وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ) [رواه أبو داود، (567)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (567)]) [تفسير ابن كثير، (6/409)].

فلها أن تخرج للصلاة، والعلاج الطبي، وقاعات العلم والمحاضرات، للتزود بما يثقف عقلها ويهذب نفسها ويفقهها في دينها، ويعرفها بواجباتها في الحياة، ولها أن تخرج إلى الحقل والسوق لشراء ما تحتاج إليه في بيتها وقضاء مصالحها، وقد كان نساء الصحابة رضي الله عنهن يفعلن كل ذلك ولا ضير عليهن.

بل ويجوز لها كذلك أن تخرج إلى أماكن النزهة والترفيه، وكان الصحابيات رضي الله عنهن يخرجن إلى ظاهر المدينة، كما فعلت أسماء ذات النطاقين رضي الله عنها، زوج الزبير بن العوام رضي الله عنه؛ إذ تقول: (وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَأْسِي، وَهْيَ عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ) [متفق عليه، رواه البخاري، (5224)، ومسلم، (5821)]، حتى أن بعض العلماء أخذوا من هذا الحديث جواز سفر المرأة السفر اليسير بدون محرم.

فإذا كان كل ما سبق لا يخالف وقار المرأة، وقرارها في بيتها؛ فإن خروجها من أجل المشاركة في قضاء مصالح المسلمين مع مراعاة الضوابط الشرعية، لا يخالف هذا التوجيه الرباني الكريم لنساء النبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنات تبعًا لهن في ذلك.

وليس أدل على ذلك من خروج النساء للجهاد في سبيل الله على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لخدمة الجيش ومداواة الجرحى، فروى البخاري وأحمد عن الربيع بنت معوذ، قالت: (كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ نَسْقِي الْقَوْمَ، وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى إِلَى الْمَدِينَةِ) [رواه البخاري، (5679)]، وفي الحديث الصحيح عن أم عطية الأنصارية قالت: (غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَبْعَ غَزَوَاتٍ؛ أَخْلُفُهُمْ فِي رِحَالِهِمْ، فَأَصْنَعُ لَهُمُ الطَّعَامَ، وَأُدَاوِي الْجَرْحَى، وَأَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى) [رواه مسلم، (4793)].

بل وكانت المرأة المسلمة في بعض الأحيان تباشر القتال بنفسها؛ كما جاء في خبر الرميصاء زوج أبي طلحة في صحيح مسلم، أنها اتخذت خنجرًا يوم حنين، فلما سألها النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَا هَذَا الْخَنْجَرُ؟))، قَالَتِ: ((اتَّخَذْتُهُ، إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَقَرْتُ بِهِ بَطْنَهُ))، [رواه مسلم، (4783)]، قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار: (ولهذا بوب البخاري: "باب غزو النساء وقتالهن" [صحيح البخاري، (10/336)]) [نيل الأوطار، الشوكاني، (12/57)].

وها هي أم عمارة رضي الله عنها تذب بسيفها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد؛ فتقول: (خَرَجْتُ أَوّلَ النّهَارِ وَأَنَا أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ النّاسُ، وَمَعِي سِقَاءٌ فِيهِ مَاءٌ، فَانْتَهَيْتُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ وَالدّوْلَةُ وَالرّيحُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَمّا انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ؛ انْحَزْتُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، فَقُمْت أُبَاشِرُ الْقِتَالَ وَأَذُبّ عَنْهُ بِالسّيْفِ وَأَرْمِي عَنْ الْقَوْسِ حَتّى خَلَصَتْ الْجِرَاحُ إلَيّ.

قَالَتْ: فَرَأَيْتُ عَلَى عَاتِقِهَا جُرْحًا أَجْوَفَ لَهُ غَوْرٌ، فَقُلْت: مَنْ أَصَابَك بِهَذَا؟ قَالَتْ ابْنُ قَمِئَةَ أَقْمَأَهُ اللّهُ، لَمّا وَلّى النّاسُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَقْبَلَ يَقُولُ: دُلّونِي عَلَى مُحَمّدٍ، فَلَا نَجَوْتُ إنْ نَجَا، فَاعْتَرَضْتُ لَهُ أَنَا وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَأُنَاسٌ مِمّنْ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَضَرَبَنِي هَذِهِ الضّرْبَةَ، وَلَكِنْ فَلَقَدْ ضَرَبْته عَلَى ذَلِكَ ضَرْبَاتٍ وَلَكِنّ عَدُوّ اللّهِ كَانَ عَلَيْهِ دِرْعَانِ) [سيرة ابن هشام، (2/81)].

 فكيف يسوغ للمرأة أن تخرج للجهاد في سبيل الله، وتباشر القتال بنفسها، مع ما في ذلك من أخطار كثيرة يدركها أي عاقل، ولا يسوغ لها أن تخرج في أهون من ذلك بكثير، وهو رعاية حقوق المسلمين والمشاركة في المناشط السياسية.

2-     قاعدة "سد الذرائع": فمشاركة المرأة في العمل السياسي العام تعرضها للاختلاط بالرجال، وربما الخلوة، وهذا حرام، وما أدى للحرام فهو حرام.

فأما عن الاستناد إلى قاعدة سد الذرائع, فلاشك أن سد الذرائع مطلوب، ولكن المقرر لدى علماء الأصول أن المبالغة في سد الذرائع كالمبالغة في فتحها، وقد يترتب عليها ضياع مصالح كثيرة، أكبر بكثير من المفاسد المتخوفة، وهو من المسائل التي تقدَّر بقدرها.

وقد سبق ووقف بعض العلماء الأجلاء يومًا في وجه تعليم المرأة من باب سد الذرائع, ولكن غلب التيار الآخر الموافق، ووجدنا أن التعليم في ذاته ليس شرًّا، بل قادها إلى خير كثير, عاد بالنفع على الأمة أيضًا، وسد أنواعًا من فروض الكفايات، كما في الطب والتمريض والتعليم.

3-     أن مشاركة المرأة في النشاط السياسي ربما تجعل لها ولاية على الرجل، وهذا ممنوع شرعًا, ومخالف للأصل القرآني الوارد في قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} [النساء: 34].

ونقول: إن الآية الكريمة التي ذكرت قوامة الرجال على النساء إنما قررت ذلك في الحياة الزوجية؛ بدليل قوله تعالى: {وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34]، فهي تدلنا على أن المراد القوامة على الأسرة، وهي الدرجة التي منحت للرجال في قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228].

أما ولاية بعض النساء على بعض الرجال خارج نطاق الأسرة فلم يرد ما يمنعه، بل الممنوع هو الولايات العامة كما أسلفنا من قبل.

وقد ولَّى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشفاء بنت عبد الله العدوية على السوق تحتسب وتراقب، وهو ضرب من الولاية على الرجال.

فالذي أجمع عليه أهل العلم هو عدم جواز تولي المرأة لرئاسة الدولة، أما ما دون ذلك من الوظائف الإدارية والتنفيذية فهذا محل خلاف بين أهل العلم، والراجح هو جوازه لعدم وجود الدليل الحاسم على حرمته.

يقول العلامة محمد الحسن الددو: (والعمل الثقافي المشاركة فيه مزية وفضل، وهي صدقة يتصدقها الإنسان من علمه، وكثيرًا ما يُثاب بفتوحات ربانية من عند الله إذا تصدَّق بعلمه، ثم العمل النقابي كذلك لاشك أن إحقاق العدل وإزهاق الباطل من الواجبات التي يشترك فيها الرجال والنساء، فعلى النساء المشاركة في العمل النقابي لإظهار الحق وإعلائه ونصرة المظلومين ولإزهاق الباطل، ومشاركتهن في ذلك لاشك أنها خير معين للقيام بهذا سواء في الترشيح أو في الترشح، أو حتى في شغل المناصب في النقابة.

فالنقابة ليست قيادة عليا ولا قيادة للأمة، والقيادة العليا وقيادة الأمة هي التي جاء فيها الحديث: (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً) [رواه البخاري، (4425)]، أما ما دون ذلك من المناصب إذا كان مضبوطًا بالضوابط الشرعية فلا حرج من تولي النساء له) [من ندوة بعنوان: العمل النقابي والسياسي في ميزان الشريعة، بتاريخ 1/5/2006م].

ضوابط مشاركة المرأة في العمل السياسي:

وإذا كنا نقول بمشاركة المرأة في المجال السياسي, فإن الأمر يحتاج إلى ضوابط يحصل بها مقصود النفع العام ولا تجلب الضر بشقيه العام والخاص.

وأول هذه الضوابط: ألَّا يتعارض دورها السياسي الذي ترغب في أدائه مع العمل الخاص, فالقاعدة تقضي بأنه عند تعارض العام مع الخاص؛ تكون الأولوية للخاص.

وفي موضوعنا؛ فإن انشغال المرأة بالعمل السياسي العام إذا كان سيؤدي إلى إهمال حق الأسرة من زوج وأولاد، ويؤثر سلبًا على تربيتهم, فإن العمل العام لا يكون له ما يسوغه في تلك الحالة.

فأداؤها للعمل الخاص ذو اعتبار شخصي بها لا يصلح لغيرها القيام به, وهو من قبيل "الواجبات العينية" الذي يتعلق بالمرأة, أما العمل السياسي العام فإنه "حق كفائي", إذا لم تقم به المرأة فقد يكفيها غيرها ذلك.

لكننا هنا نذكِّر بقول العلامة القرضاوي: (وليست كل امرأة صالحة للقيام بعبء النيابة، فالمرأة المشغولة بالأمومة ومتطلباتها لن تزج بنفسها في معترك الترشيح لهذه المهام، ولو فعلت؛ لكان على الرجال والنساء أن يقولوا لها : لا ... أطفالك أولى بك.

ولكن المرأة التي لم تُرزق الأطفال، وعندها فضل قوة ووقت وعلم وذكاء، والمرأة التي بلغت الخمسين أو قاربت، ولم تعد تعرض لها العوارض الطبيعية المذكورة، وتزوج أبناؤها وبناتها، وبلغت من نضج السن والتجربة ما بلغت، وعندها من الفراغ ما يمكن أن تشغله في عمل عام، ما الذي يمنع من انتخاب مثلها في مجلس نيابي، إذا توافرت فيها الشروط الأخرى، التي يجب أن تتوفر في كل مرشح، رجلًا كان أو امرأة؟!) [فتوى بعنوان: حرمان المرأة من العمل السياسي ... شبهات وردود، موقع الشيخ القرضاوي، قسم فتاوى وأحكام].

ومن الضوابط أيضًا: ألَّا يقترن عملها ومشاركتها السياسية بمحظور شرعي, كأن يُفرض عليها الخلوة بالرجال أو الاختلاط المحرم، غير المنضبط شرعًا, فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) [متفق عليه، رواه البخاري، (5233)، ومسلم، (3336)], قال الحافظ ابن حجر: (فيه منع الخلوة بالأجنبية، وهو إجماع) [فتح الباري، ابن حجر، (4/77)].

 كما عليها أن تتجنب الخروج بمظهر لا يتفق مع مراد الشريعة وهدفها؛ امتثالًا لقول الله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} [النور: 31], فلابد أن تلتزم بالزي الشرعي، وأن يكون حديثها بمعروف وفي حدود الوظيفة المنوطة بها.

وأخيرًا؛ نقول أنه يمكن الاستفادة من المرأة في النشاط والممارسة السياسة في الحدود التي يسمح بها الشرع الحنيف، ودون أن نخرق حدود الشريعة, فليس في الإسلام ما يحول دون عمل المرأة في السياسة, شريطة الالتزام بالضوابط والآداب.

وبالإضافة إلى ما سبق؛ فإننا نشير إلى أن المجتمع مطالب بتهيئة الأسباب التي تعين المرأة على استيفاء حقها في الممارسة السياسية بجانب مسئوليتها إزاء أسرتها, وتوضيح أهمية هذا الدور عبر وسائل الإعلام, مع تدعيم هذا المضمون في ثقافة المجتمع الإسلامي وفي أوساطه المختلفة.

     106
                                                                                                                             جميع الحقوق محفوظة لموقع المستشار © 1428 هـ