علاقة الرجل بالمرأة بين الإفراط والتفريط
فريد مناع
إن من يسر الإسلام ورحمته أنه وضع ضوابط للعلاقة بين الجنسين صيانة للأعراض، وحفظًا للكرامة، وبعدًا عن الشبهات، وطبيعة الرجل إذا التقت بطبيعة المرأة؛ كان منهما ما يكون بين كل رجل وامرأة من الميل والأنس والاستراحة إلى الحديث والكلام، فلابد أن تكون هناك ضوابط لهذه العلاقة، تحقق التعامل الرشيد المبني على الاحترام المتبادل بين الرجل والمرأة، وتصون كرامة المرأة وتحفظ المجتمع من انتشار الفتن والفساد والرذائل في الوقت ذاته.
وفلسفة الإسلام في هذه الضوابط متمشية مع فلسفته الخاصة بالمرأة، فهو يرى أن إكرامها يكون بالاعتراف بحقوقها التي تقتضيها أهليتها، وبوقايتها من مواطن الشبهات ومزالق الشهوات حتى تكون لها سمعتها العطرة كفتاة يتزاحم الشباب على الاقتران بها، وكزوجة يتحدث الناس عن إخلاصها لزوجها واستقامتها، وكأُم تعرف كيف تغرس في نفوس أبنائها وبناتها معاني الشرف والفضيلة والكرامة، وكعضو منتج فاعل في المجتمع يشارك في بناء نهضته وصناعة حضارته.
ومن أعظم الضمانات الوقائية التي وضعها الإسلام سياجًا واقيًا للمرأة المسلمة أولًا، ولأفراد المجتمع الإسلامي ثانيًا؛ أَن وضع الضوابط التي تحكم علاقة الرجل بالمرأة، فحرَّم التعامل المستهتر بين الرجال والنساء، وحرَّم الخلوة بين المرأة الأجنبية والرجل الأجنبي، لكنه مع ذلك أباح التعامل بين الجنسين للحاجة بالضوابط الشرعية، حتى لا تتعطل مصالح المجتمع، ويتمكن الناس من مزاولة حياتهم بصورة طبيعية بلا تضييق أو صعوبة، وذلك لأن الإسلام هو دين المثالية الواقعية؛ فكما يحافظ على طهارة المجتمع ونظافته من جانب، فهو كذلك يراعي حاجاتنا البشرية، ويتعامل معنا في حدود طاقتنا البشرية، في نظافة ورفعة وسمو، وفي واقعية عملية كذلك.
ونريد في هذه الكلمات أن نبيِّن حكم الشرع في التعامل بين الرجل والمرأة، والضوابط التي وضعها للعلاقة بين الجنسين، خاصة ونحن نرى قصورًا في فهم نظرة الإسلام إلى هذه القضية؛ أدى إلى صور شتى من التساهل والغلو.
إفراط وتفريط:
فمن خلال استقراء الواقع؛ نرى صنفين من الناس قد تناولوا العلاقة بين الجنسين بصورة تتأرجح بين الإفراط والتفريط، وبين الغلو والتساهل.
فأما الصنف الأول:
فأولئك الذين أرادوا للمرأة مزاحمة الرجال، وإذابة الفوارق والحواجز بينهم في التعامل، وتركوا المعاملات بين الرجال والنساء دون ضوابط، وأرادوا المرأة رجلًا بين الرجال، متخطين بذلك حدود الله التي جعلها حفظًا لهذا المجتمع وصيانة له من الفتن، وكل ذلك تحت زعم علاقة الصداقة البريئة بين الرجل والمرأة.
ومهما ادعى هؤلاء "دعاة التحرير" براءة هذه الصداقة، وأنه لن يحصل بسببها شيء يضر بالمرأة والمجتمع، وأن المرأة تستطيع حماية نفسها إذا كانت محصنة بالعلم والإيمان؛ فإن هذه العلاقة ليست كذلك في الميزان الإسلامي، الذي يقيس به المسلم أمور حياته، فهي تشتمل على خلوة محرمة في ذاتها، سواء أدت إلى الفاحشة أم لم تؤدِّ إليها، وهي محرمة في دين الله لحكمة واضحة؛ لأنها تؤدي في النهاية ـ حتمًا ـ إلى الفاحشة إن لم يكن في أول مرة ولا حتى في أول جيل، فإنه ما من مرة أباحت البشرية لنفسها هذه الخلوة والتعامل المستهتر بلا ضوابط؛ إلا وصلت إلى الفاحشة في نهاية المطاف، ولا أدل على ذلك من واقع المجتمعات التي تشهد مثل هذه الانحرافات على مدار التاريخ.
وإذا قيل لهؤلاء: إن عملكم هذا فيه الفساد والإفساد للمرأة وللبلاد، وأنه سيجر على المجتمع المصائب والويلات التي نحن في غنى عنها؛ قالوا: إنما نريد الإصلاح!
ولا حرج عند هؤلاء في أن تضاحك المرأةُ الرجلَ، ولا حرج في أن تخرج معه، ولا حرج في أن تجلس بجواره جنبًا إلى جنب فيحدث بينهما الهمس واللمس، ولا حرج كذلك في العلاقة البريئة، والحب الطاهر الشريف الذي يقتصر على تلامس الأيدي، وتبادل عبارات الحب، وكل ذلك بنية الزواج في النهاية!
وهذا بدوره قد أدَّى إلى كثير من السلوكيات المنحرفة لدى الرجال والنساء، وهذا هو ما رمى إليه منذ أكثر من قرن مضى دعاة تحرير المرأة؛ والذين تأثروا بالحضارة الغربية وأرادوا السير على المنهاج الغربي حتى فيما يخص المرأة.
فقالوا: لابد وأن تحذو المرأة العربية حذو نظيرتها الغربية، حتى يرتقي المجتمع وينهض سائرًا نحو التقدم، ومن أجل ذلك لابد من تحريرها، وكأن الإسلام الذي حرر المرأة من الاضطهاد والبطش والتهميش في الأمم السابقة، كأنه قد كبَّلها بالقيود!
وأما الصنف الثاني:
فهم الذين غالوا وشددوا في قضية العلاقة بين الجنسين، فوضعوا في أذهانهم صورة للمجتمع المنشود؛ ينقسم ذلك المجتمع إلى قسمين: عالم الرجال وعالم النساء، يعيشون على أرض واحدة، ولكن هذا في عالمه وذاك في عالمه.
فمحظور تعامل الجنسين أحدهما مع الآخر، إلا من خلال الزواج، مفسرين أصولًا عامة للشريعة وفق اختياراتهم النفسية، تحت مظلة سد الذريعة وحراسة الفضيلة؛ (حتى ليخيل للناس أن المجتمع الإسلامي لابد أن يحوي قسمين منعزلين تمامًا؛ قسم للرجال وقسم للنساء، حتى ليبالغ بعضهم ويترحم على زمان كانت المرأة لا تخرج فيه إلى الشارع في عمرها إلا مرتين، مرة في يوم زفافها، ومرة يوم تشيع جنازتها.
وهذه الصورة يستحيل تطبيقها في الواقع المعاصر، فضلًا عن أنها لم تكن أبدًا في المجتمع الذي أنشأه رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي لم يتم فيه التعامل مع المرأة بكل ذلك التشنج وتلك الحساسية، فكانت المرأة تخرج حتى للجهاد في سبيل الله، وكان التعامل بين الرجال والنساء قائمًا للحاجة في حدود الضوابط الشرعية) [نهضة أمة، هشام مصطفى عبد العزيز].
فللمرأة أن تخرج لزيارة والديها وإخوتها وأخواتها، ومن تؤمن زيارتها له من أقاربها وصديقاتها، ولها أن تخرج للصلاة ـ وأداؤها في البيت أفضل ـ وضرورات العلاج، وقاعات العلم والمحاضرات للتزود بما يثقف عقلها، ويهذب نفسها، ويفقهها في دينها، ويعرفها بواجبها في الحياة، على ألَّا تكون في تلك القاعات عرضة لمجون العابثين وفساد مرضى القلوب، ولها أن تخرج إلى الحقل والسوق، أو إلى أي مكان لا إثم فيه لشراء ما تحتاج إليه في بيتها وقضاء مصالحها، وقد كان نساء الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده يفعلن كل ذلك، ولا ضير عليهن.
وبعض الناس (يسألون عن خروج المرأة إلى أماكن النزهة ذات المناظر الجميلة والهواء العليل؟ وما نعلم أن أحدًا حرَّم ذلك عليها! ونحن نقرأ من أخبار الفاضلات من نساء العصر النبوي أنهن كن يخرجن إلى ظاهر المدينة، وها هي أسماء ذات النطاقين، بنت أبي بكر، وزوج الزبير رضي الله عنهم، تقول: "كنت أنقل النوى على رأسي من أرض الزبير وهي من المدينة على ثلثي فرسخ"؛ قال العلماء: وهو حجة في سفر المرأة اليسير من غير محرم) [شخصية المرأة المسلمة في ضوء القرآن والسُنة، خالد عبد الرحمن العك، ص(255)].
يقول الشيخ الددو الشنقيطي حفظه الله: (ونجد بعض الناس لا يدخل على النساء في بيت إذا أراد تدريسهن يجعل بينه وبينهن حائلًا مثلًا، أو يأمرهن بمغادرة المسجد، أو يمنعهن من الذهاب إلى الدروس، أو يمنعهن من الذهاب إلى المحاضرات؛ وكل هذا مخالف للمنهج النبوي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) [متفق عليه، رواه البخاري، (900)، ومسلم، (1018)]، وكان يدرِّس النساء وكنَّ يجلسن إليه، وقد قلن له: يا رسول الله، أنا وافدة النساء، يقلن: إن إخواننا من الرجال غلبونا عليك؛ فاجعل لنا يومًا من نفسك، فجعل لهن يوم الخميس [رواه البخاري بنحوه، (101)].
ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل بينه وبين النساء حاجزًا، بل كنَّ يصلين معه في المسجد؛ فكان يقول: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) [رواه مسلم، (1013)]، وكان يأمر الرجال ألَّا ينصرفوا حتى ينصرف النساء [رواه البخاري بنحوه، (870)]، وكان يأمر النساء ألَّا يرفعن أبصارهن حتى يجلس الرجال من السجود؛ لئلا ينكشف عليهن شيء من عورات الرجال [رواه أحمد في مسنده، (11286)، وهو صحيح لغيره].
وكنَّ يشهدن معه الفجر متلفعات بمروطهن ما يُعرفن من الغلس [متفق عليه، رواه البخاري، (578)، ومسلم، (1489)]، وكنَّ يشهدن معه صلاة العيد والاستسقاء والجُمَع [رواه مسلم، (2049)]، وفي حديث أم عطية: كنا نأمر بإخراج العواتق والحيض وربات الخدور، يشهدن الخير ويكثِّرن سواد المسلمين [متفق عليه، رواه البخاري، (324)، ومسلم، (2091)]، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلِّم عليهن، ويرد عليهنَّ السلام ويعودهن إذا مرضن، وكان أصحابه يفعلون) [جزء من محاضرة الوسطية في الإسلام، الشيخ: محمد حسن الددو الشنقيطي].
والحق دائمًا وسط بين طرفين؛ فدين الإسلام دين الوسطية والاعتدال؛ لأن أحكامه نزلت من لدن حكيم خبير، أعلم بحاجات الناس ومقومات صلاحهم من أنفسهم، ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى ضوابط في التعامل بين الجنسين، تتناسب مع تكوينهم وفطرتهم، وتحقق للمجتمع بصفة عامة الاستقرار والعفة والفضيلة.
صور من التعاملات المباحة:
وفيما يلي عدد من الصور المباحة في التعامل بين الرجل والمرأة بالضوابط الإسلامية الرشيدة:
أ- الاختلاط لإجراء المعاملات الشرعية:
فمن حالات الحاجة، ما يستلزمه إجراء المعاملات المالية الجائزة من بيع وشراء وغيرهما؛ لأن إجراء هذه المعاملات يستلزم عادة اجتماع المرأة مع الرجل للمساومة ورؤية محل العقد، ثم إبرام العقد، ولكن يُشترط عدم الخلوة بالرجل لأنها محرمة، كما يلزمها أن لا تخرج متبذلة، وأن تلتزم حدود الشرع وأحكامه في لباسها، وفي كلامها وصوتها مع الآخرين.
ب- الاختلاط لحاجة مباشرة أعمال القضاء:
يحرم تولي المرأة للقضاء عن الجمهور، لكنه يجوز للمرأة أن تتولى القضاء في غير الحدود على رأي الحنفية، أو في جميع القضايا بما فيها الحدود عند الظاهرية والإمام الطبري، ومن المعلوم أن مباشرة وظيفة القضاء تستلزم أن تقتضي اجتماعها بالرجال من مُدعين أو مُدَّعى عليهم، ولكن يجب أن تحذر من الخلوة بهم وهذا ممكن، ولا تقتضيه أعمال القضاء بالضرورة.
ج- الاختلاط لغرض تحمل الشهادة:
يجوز للمرأة أن تكون شاهدة في قضايا الأموال وحقوقها، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه..، إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ... وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282].
وتحمُّل المرأة الشهادة يستلزم حضورها ما تشهد عليه من معاملة، وقد تكون بين رجلين أو أكثر، فيجوز لها هذا الحضور وما يقتضيه من اجتماعها بأطراف المعاملة من الرجال.
د- الاختلاط لغرض أعمال الحسبة:
ذكر الإمام ابن حزم في "المحلى" أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولى الشفاء ـ وهي امرأة من قومه ـ السوق، أي: ولاها الحسبة في السوق، لتأمر بالمعروف من أعمال السوق وتنهى عن منكرات السوق، هذا يستلزم مخالطتها لأهل السوق من الرجال الأجانب حتى تقوم بالاحتساب عليهم.
هـ- الاختلاط للقيام بأعمال الجهاد:
ومن أمثلة هذا النوع من الاختلاط اشتراك النساء في الجهاد، بأن يقمن بنقل الماء إلى المقاتلين ومداواة الجرحى منهم، ونحو ذلك من الأعمال وكلها جائزة ومشروعة، وإن استلزمت أو اقتضت مخالطة النساء للرجال؛ لأن هذه الأعمال تحقق مصلحة شرعية أذن الشرع الإسلامي للنساء بالقيام بها.
ويدل على ذلك ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن الربيع بنت معوذ قالت: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نسقي ونداوي الجرحى ونرد القتلى إلى المدينة) [صحيح البخاري، (10/341)]، وروى البخاري: (أن عائشة وأم سليم رضي الله عنهما كانتا تنقلان القرب على متونهما، ثم تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم) [رواه البخاري، (2280)].
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فيسقين الماء ويداوين الجرحى) [رواه مسلم، (4785)].
و- الاختلاط لغرض استماع الوعظ والإرشاد:
ومن اجتماع المرأة بالرجل للمصلحة الشرعية، اجتماع الرجل بالنساء لوعظهن وتعليمهن أمور الدين، سواء أكان وحده أو كان معه شخص آخر، فقد روى الإمام البخاري عن ابن عباس قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عيد فصلى ركعتين لم يصلِّ قبل ولا بعد، ثم مال على النساء ومعه بلال، فوعظهن وأمرهن أن يتصدقن، فجعلت المرأة تلقي القلب والخُرْص) [رواه البخاري، (1431)].
ضوابط لابد منها:
وضع الشرع الحنيف ضوابط للعلاقة بين الجنسين، ولم يتركها هكذا لأمزجة الناس وأهوائهم ليحددوا أطرها ومجالاتها، وهذه الضوابط تكفل السلامة والعفة والفضيلة للمجتمع، وليس فيها أي نوع من التعسف أو تحميل الناس ما لا يطيقونه؛ ومن هذه الضوابط ما يلي:
أولًا ـ تحريم المصافحة: وهي السلام باليد؛ فلا يصح أن يصافح الرجلُ المرأةَ الأجنبية على الراجح ما دام يحل له الزواج منها؛ وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: (لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد، خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) [رواه الطبراني في الكبير، (16880)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، (9176)].
ثانيًا ـ تحريم الخلوة: فلا يجوز الخلوة بين الرجل والمرأة في معزل عن الناس؛ والنبي صلي الله عليه وسلم يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) [متفق عليه، رواه البخاري، (5233)، ومسلم، (3336)]، فهذا يسد باب الفتنة عن الاثنين، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يبيِّن ذلك بقوله: (لا يخلون رجل بامرأة؛ إلا كان ثالثهما الشيطان) [رواه الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة، (2318)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، (1171)].
ثالثًا ـ النهي عن الخضوع بالقول: فلا يجوز للمرأة أن تخضع بالقول أو تلين به عندما تتحدث مع الرجال؛ يقول الله تبارك وتعالى: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32]، يقول السعدي رحمه الله: (في مخاطبة الرجال، أو بحيث يسمعون فتلِنَّ في ذلك، وتتكلمن بكلام رقيق يدعو ويطمع، {الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَض}؛ أي: مرض شهوة الزنا، فإنه مستعد، ينظر أدنى محرك يحركه؛ لأن قلبه غير صحيح، فإن القلب الصحيح ليس فيه شهوة لما حرَّم الله، فإن ذلك لا تكاد تُمِيلُه ولا تحركه الأسباب؛ لصحة قلبه وسلامته من المرض.
بخلاف مريض القلب، الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر عليه، فأدنى سبب يوجد يدعوه إلى الحرام يجيب دعوته، ولا يتعاصى عليه، فهذا دليل على أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فإن الخضوع بالقول واللين فيه في الأصل مباح، ولكن لما كان وسيلة إلى المحرم مُنع منه، ولهذا ينبغي للمرأة في مخاطبة الرجال أن لا تلِينَ لهم القول) [تفسير السعدي، (1/663)].
رابعًا ـ الأمر بغض البصر: لقول الله تعالى للجنسين: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 30-31].
وختامًا:
إن من ينظر إلى مجتمع الصحابة؛ يجد أن المرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تتعامل بالبيع والشراء مع النساء والرجال، فدل ذلك على أن صوتها في أصله ليس بعورة، وكانت كذلك تخرج للجهاد تسقي وتداوي الجرحى، وكانت تستفتي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانت ترد على الخلفاء من بعده وتعقِّب.
ولكن المشاهد كذلك في المجتمع الأول، أن كل ما يدور من أحاديث بين الرجال والنساء لم يأخذ شكل المسامرة والمزاح والتسلية، وإنما كان كلامًا للحاجة.
وعلى هذا؛ فإن مخالطة الرجال للنساء إن كانت بالضوابط السابقة، مع التزام المرأة بحجابها الشرعي جائز، وهو ما وردت به النصوص ولا حجة في تحريمه؛ لأن ذلك مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه من بعده، وهم أطهر القرون وأبر هذه الأمة قلوبًا.
وليس معنى هذا أن تكون العلاقات بين الرجال والنساء بلا ضوابط أو قيود كما يريدها أعداء العفة والفضيلة، أو أن يتساهل كلٌّ منهما في العلاقة مع الآخر، فضوابط الشريعة إنما وُضِعت لحفظ المجتمع وصيانته، وعلى المسلم أو المسلمة أن يكون وقافًا عند حدود الله، يراقب اللهَ في حركاته وسكناته.
وكذلك؛ فلا يحق لأحد أن يحرم شيئًا أحله الله، أو يحل شيئًا حرمه الله، أو يضع قيودًا على تعاملات الناس بلا دليل أو مستند شرعي، وهذا للأسف ما حدث في كثير من المجتمعات التي حاولت أن تفرض قيودًا على العلاقة بين الجنسين ما أنزل الله بها من سلطان، متعللين ببعض الحوادث الفردية التي لا يرضاها الشرع، ومعتبرين أن المبالغة في سد الذرائع سيقي المجتمع من أمثال هذه الحوادث.
ولكن ما حدث للأسف هو عكس المطلوب؛ فهذا المسلك فوق أنه ليس هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فهو كذلك ينفِّر الناس عن الالتزام بدين الله تعالى، حيث يتصورون أن شريعة الإسلام هي منهج مثالي لا يستطيعون تطبيقه في واقعهم المعاصر، ودين الله تعالى دائمًا وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والالتزام بشرع الله كما ورد عن رسوله صلى الله عليه وسلم هو الأسلم والأحكم والأنفع للأمة والمجتمع.
|