قافلة الحرية، أبعاد ودلالات
فريد مناع
مع ساعات الفجر الأولى ليوم الاثنين 31/5/2010م، هاجمت قوة من سلاح البحرية الإسرائيلي بدعم جوي قافلة الحرية التي كانت متوجهة لكسر الحصار الجائر المفروض على قطاع غزة منذ ثلاثة أعوام تقريبا، وهي سفن كانت محمّلة بأكثر من عشرة آلاف طن من المساعدات الإنسانية، وتقل أكثر من سبعمائة وخمسين متضامنا على متن السفن تعود أصولهم إلى أربع وأربعين دولة من جهات الأرض الأربعة، منهم 44 شخصية رسمية وبرلمانية وسياسية أوروبية وعربية، من بينهم عشرة نواب جزائريين، وشخصيات أوروبية مرموقة.
وقد اقتحمت القوات الخاصة الإسرائيلية كبرى سفن القافلة "مافي مرمرة" التي تحمل 581 متضامنا -معظمهم من الأتراك- داخل المياه الدولية، مخلفة 19 قتيلا و26 جريحا معظمهم من الأتراك.
وهذا الفعل الإجرامي الذي تعودنا على أمثاله دوما من بني صهيون، وما أسفر عنه من نتائج، ثم رد فعل الأطراف العربية والإسلامية والدولية تجاهه يحمل الكثير من الأبعاد والدلالات التي تسترعي الانتباه، وتستدعي منا الوقوف أمامها.
الوقفة الأولى: سقوط القناع الصهيوني.
فمع هذه الوحشية والدموية الإسرائيلية تجاه هذا الجمع الكبير من أحرار العالم ونبلائه الذين جاءوا من كل حدب وصوب تحت غطاء شرعي دولي، ودعم شعبي عالمي، سقطت آخر ورقة توت عن سوأة العنصرية الصهيونية لا سيما أمام المجتمع الغربي الذي درج على دعم إسرائيل الصهيونية، باعتبارها واحة الحضارة والتقدم والديموقراطية في وسط صحراء هائلة من التخلف والاستبداد والظلم العربي، وعلى اعتبار تلك الصورة المأساوية التي نجحت آلة الدعاية الصهيونية في تسويقها لدى الغرب، فالصهاينة دوما كانوا ضحايا القوى الغاشمة سواء منها الغربية أو العربية، فبعد الاضطهاد النازي والهولوكوست الهتلري لضحايا اليهود؛ يأتي المحيط العربي الذي تجرأ واستنكر على إسرائيل الغاصبة المحتلة إبادتها لشعب عربي مسلم كامل طيلة هذه العقود.
هذه الصورة سقطت إلى حد بعيد أمام الشعوب الغربية التي كانت تبتزها إسرائيل، وظهر الوجه النازي الحقيقي لهذا الكيان الصهيوني الغاصب؛ الذي لا يقيم وزنا لأي أعراف دولية أو قيم أخلاقية إنسانية.
وهذا الوضع هو ما اعتبرته صحيفة معاريف الإسرائيلية وقوعا إسرائيليا تحت الحصار المعنوي والأدبي من جميع شعوب العالم الحرة، حتى أن الصحيفة ومعها بعض النخب الإسرائيلية العاقلة طالبت الحكومة الإسرائيلية بسرعة الانسحاب من غزة حتى تتخلص إسرائيل من هذا الحصار العالمي المعنوي من شعوب العالم، وهذا بالتأكيد ما سينتج دعما شعبيا على الأقل على الصعيد العالمي لقضية فلسطين عامة وغزة خاصة، وهو دعم له ثقله بلا شك.
وليس أدل على ذلك من هذه القوافل الإغاثية المتكاثرة التي أعلن أحرار العالم وشرفاؤه من كل بقاع الأرض عزمهم على تسييرها إلى المحاصرين في غزة، في تحد سافر للجيش الإسرائيلي وحكومته الصهيونية.
الوقفة الثانية: ردود الأفعال على المستوى العربي والإسلامي
ولم نفاجأ بالطبع بردود الأفعال العربية والإسلامية الهزيلة، التي لا تعدو إعلان الشجب والاستنكار، والهرولة إلى هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، تحدوهم الأماني في استصدار مجرد بيان لإدانة المجزرة الصهيونية، ثم عودتهم كالعادة بخفي حنين، أو السماح للشعوب بالمظاهرات وإعلان الغضب والاحتجاج على هذه الأفعال الإسرائيلية الإجرامية.
ولم يكن من موقف إيجابي حقيقي لأي دولة عربية أو إسلامية سوى مصر التي قررت فتح معبر رفح إلى أجل غير مسمى، ثم تركيا الدولة الإقليمية الرائدة في المنطقة، والتي استدعت السفير الإسرائيلي، ووجهت تحذيرات شديدة اللهجة إلى الحكومة الإسرائيلية على لسان رموز النظام التركي، وعلى رأسهم رجب طيب أردوغان الذي حذر إسرائيل من اختبار صبر تركيا، وأن إسرائيل لا بد وأن تدفع ثمن أفعالها وجرائمها التي ارتكبتها في حق الأتراك بل وفي حق الإنسانية بأسرها.
والذي يعنينا في هذه الوقفة هو الإجابة على هذا السؤال: ما هو السبب في تفاوت المواقف قوة وضعفا بين رد الفعل العربي والإسلامي الضعيف من جهة، وبين رد الفعل التركي الأردوغاني القوي الحاسم من جهة ثانية؟
لا شك أن هناك أسبابا كثيرة على مستوى الحسابات السياسية والاستراتيجية لهذا التفاوت، لكن السبب الرئيس من وجهة نظري هو أن تركيا نجحت في بناء القدرة على رد الفعل، عبر تبني حكومة حزب العدالة والتنمية لمشروع نهضوي وطني، نجحت من خلاله في نقل تركيا من مشارف دول العالم الثالث إلى طليعة القوى الكبرى في المنطقة، فهذه الكلمات الشديدة اللهجة من أردوغان ليست إنعكاسات لعنترية كاذبة، بل من ورائها دولة واعدة أصبحت على المستوى الاقتصادي في مقدمة الاقتصاديات الأوروبية، بل العالمية، حيث تحتل المركز رقم 15 في اقتصاديات العالم، وتمتلك بنية تحتية قوية، أسست على حل المشاكل والخلافات الداخلية، و بناء منظومة سياسية وديموقراطية حقيقية، ترافقها منظومة متوازنة في العلاقات الخارجية لتركيا، يكون فيها اللاعب التركي رقما لا يمكن تجاوزه في حسابات المصالح والمفاسد لأي قوة تعمل في الفراغ الإقليمي للشرق الأوسط.
إن الدعوة الصائبة من وجهة نظري، والتي تصب في حل المشكلة الفلسطينية بل في حل مشاكل أمتنا بأسرها، ليست في الاكتفاء بدعوة الشعوب والحكومات إلى إصدار بيانات الشجب والاستنكار، وقطع العلاقات مع إسرائيل، وطرد السفراء وما إلى ذلك، فهذه كلها مجرد أفعال رمزية ليس لها في حسابات القوة ميزان كبير، ولا تمثل أفعالا استراتيجية حقيقية قادرة على المساهمة في حل أزماتنا؛ بل الدعوة الصحيحة هي أن ندعو شعوبنا وحكوماتنا إلى تبني مشاريع نهضوية حقيقية، تفضي إلى بناء القدرة على رد الفعل، فلا يمكن للضعيف أن يعيد حقه بمجرد الصراخ، ولقد تعلمنا من فن الإدارة الاستراتيجية أن المؤسسة حينما تكون في حالة ضعف على مستوى البيئة الداخلية، وفي نفس الوقت تواجه تهديدا من البيئة الخارجية؛ فإن الفعل الاستراتيجي المناسب في تلك الحالة هو السعي لتلافي هذا التهديد، مع محاولة الانتقال من حالة الضعف إلى حالة بناء القوة الحقيقية التي تكفل لها التعامل المناسب معه.
الوقفة الثالثة: انتهاء صلاحية الحضارة الغربية.
فهذا الرد الفعل الهزيل من الحكومات الغربية لا سيما أمريكا وبريطانيا، بالإضافة إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة؛ ينبئنا عن الإفلاس الشديد الذي تعاني منه الحضارة الغربية في هذه الأيام، فقصارى ما صدر عن هذه القوى الغربية إبداء الأسف على أرواح الضحايا، ومناشدة الحكومة الإسرائيلية سرعة الإفراج عن المعتقلين من ركاب القافلة الأحرار.
هذه الحضارة التي تتولى الآن زعامة العالم باعتبارها حضارة الأقوى وليس الأفضل، والتي دائما ما تحاول تبرير أفعالها غير القانونية بغطاء أخلاقي زائف قد بان أنها حضارة بلا قيم حقيقية، إلا قيم مؤقتة مصلحية، لا تعمل إلا حينما يتعلق الأمر بتحقيق مصلحة للغرب أو لأحد حلفائه، فحين تقوم مقاومة عراقية أو فلسطينية في وجه عدوان محتل غاصب؛ فهذا إرهاب ووحشية، وحين يقوم الكيان الصهيوني بمجزرة في صفوف مواطنين نبلاء من جميع أنحاء العالم فهذا حق مشروع في الدفاع عن النفس، وضمان أمن إسرائيل.
ولا عجب من ذلك، فهذا نتيجة حتمية لنسبية القيم التي أصلها عالم الاجتماعي الغربي دور كايم، والتي كان من ثمارها هذا الكيل بمكيالين الذي يعاني منه الغرب؛ فالأخلاق والقيم لأنها نسبية عند الغرب؛ فيسهل عليهم استدعاءها حينما تحقق أجندات الغرب وصنيعته الصهيونية؛ وأما حينما تتعارض القيم مع المصالح الغربية؛ فإنها لا بد أن تتحور وتتبدل، فينقلب الباطل حقا، والجلاد ضحية، ولا يغير من هذه الحقيقة التاريخية ذلك النتاج المادي الهائل الجدير بالاستفادة منه، الذي أنتجته الحضارة الغربية، فإن القيم الحقيقية والنتاج المادي هما جناحا أي حضارة، وبدون أحدهما لا بد أن يسقط الطائر الحضاري، فلا يكمل الطيران.
إن هذا الإفلاس القيمي الذي مني به الرجل الأبيض يدل دلالة واضحة على أن البشرية لا زالت في حاجة إلى قيادة حضارية حقيقية، تعرف لهذا الإنسان قدره كما كرمه الله تعالى، وتقدم للناس الرخاء والمدنية بيد، والعدل والرحمة باليد الأخرى، هذا المزيج الفريد الذي لم تقدمه للعالم إلا حضارتنا الإسلامية الربانية يوم أن تسيدت الدنيا واستلمت زمام القيادة، بعد أن وجدت أجيالا من المسلمين يعرفون الإسلام الحقيقي الذي أنزله الله تعالى ليكون كلمته الأخيرة إلى بني الإنسان، ويتمثلونه على أرض الواقع ليحولوه إلى تيار حضاري عريق بهر العالم بأسره، وأدخل الناس في دين الله أفواجا لما رأوا قيمه النبيلة، وعطاءه العلمي والمادي العظيم.
|